خطبة
المؤلف
الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم
يعدلون لا يحصى عدد نعمته العادون ولا يؤدي حق شكره المتحمدون ولا يبلغ مدى عظمته
الواصفون بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون.
أحمده على الآلاء وأشكره على النعماء وأستعين به في الشدة والرخاء وأتوكل عليه فيما
أجراه من القدر والقضاء وأشهد أن لا إله إلا الله وأعتقد أن لا رب إلا إياه شهادة
من لا يرتاب في شهادته واعتقاد من لا يستنكف عن عبادته وأشهد أن محمداً عبده الأمين
ورسوله المكين حسن الله به اليقين وأرسله إلى الخلق أجمعين بلسان عربي مبين بلغ
الرسالة وأظهر المقالة ونصح الأمة وكشف الغمة وجاهد في سبيل الله المشركين وعبد ربه
حتى أتاه اليقين فصلى الله على محمد سيد المرسلين وعلى أهل بيته الطيبين وأصحابه
المنتخبين وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين وتابعيهم بالإحسان إلى يوم الدين هذا
كتاب تاريخ مدينة السلام وخبر بنائها وذكر كبراء نزالها وذكر وارديها وتسمية
علمائها ذكرت من ذلك ما بلغني علمه وانتهت إلي معرفته مستعيناً على ما يعرض من جميع
الأمور بالله الكريم فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
أخبرنا عبد العزيز بن أبي الحسن القرميسيني قال: سمعت عمر بن أحمد بن عثمان يقول:
سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول قال لي الشافعي: يا
يونس دخلت بغداد؟ قال: قلت: لا قال ما رأيت الدنيا.
وصف بغداد وخطتها
باب
القول في حكم بلد بغداد وغلته
ومما جاء في جواز بيع أرضه وكراهته:
أول ما نبدأ به في كتابنا هذا ذكر أقوال العلماء في أرض بغداد وحكمها وما حفظ عنهم
من الجواز والكراهة لبيعها فذكر عن غير واحد منهم أن بغداد دار غصب لا تشترى
مساكنها ولا تباع ورأى بعضهم نزولها باستئجار فإن تطاولت الأيام فمات صاحب منزل أو
حانوت أو غير ذلك من الأبنية لم يجيزوا بيع الموروث بل رأوا أن تباع الأنقاض دون
الأرض لأن الأنقاض ملك لأصحابها وأما الأرض فلا حق لهم فيها إذا كانت غصباً.
أنبأنا أبو القاسم الأزهري أنبأنا أحمد بن محمد بن موسى القرشي وأنبأنا أبو محمد
الحسن بن علي الجوهري أنبأنا محمد بن العباس الخزاز قالا: أنبأنا أحمد بن محمد بن
جعفر أبو الحسين حدثني أبو الفضل جعفر بن محمد المؤدب أن أباه لما مات أرادت والدته
أن تبيع داراً ورثاها فقالت لي يا بني امض إلى أحمد بن حنبل وإلى بشر بن الحارث
فسلهما عن ذلك فإني لا أحب أن أقطع أمراً دونهما وأعلمهما أن بنا حاجة إلى بيعها
قال فسألتهما عن ذلك فاتفق قولاهما على بيع الأنقاض دون الأرض فرجعت إلى والدتي
فأخبرتها بذلك فلم تبعها ومنع جماعة من العلماء من بيع أرض بغداد لكونها من أرض
السواد وأرض السواد عندهم موقوفة لا يصح بيعها وأجازت طائفة بيعها واحتجت بأن عمر
بن الخطاب أقر السواد في أيدي أهله وجعل أخذ الخراج منهم عوضاً عن ذلك.
وكان غير واحد من السلف يكره سكنى بغداد والمقام بها ويحث على الخروج منها.
وقيل: إن الفضيل بن عياض كان لا يرى الصلاة في شيء من بغداد لأجل أنها عنده غصب.
أخبرنا أبو القاسم الأزهري أخبرنا أحمد بن محمد بن موسى القرشي وأخبرنا الحسن بن
علي الجوهري أخبرنا محمد بن العباس الخزاز قالا: أخبرنا أحمد بن جعفر بن محمد بن
عبيد الله المنادي نبأ أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر بن خالد النيسابوري المعروف
بابن القصير نبأ عمرو بن أيوب قال: سألت الفضيل بن عياض عن المقام ببغداد فقال لي:
لا تقم بها واخرج عنها فإن أخبثهم مؤذنوهم.
أنبأ أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الحافظ بأصبهان نبأ أحمد بن بندار
بن إسحاق أنبأنا محمد بن يحيى بن مندة قال: أنا إبراهيم بن يزداد البغدادي بأصبهان
قال: نبأنا محمد بن يحيى الأزدي قال: قلت لعبد الله بن داود إن لي خالة ببغداد قال:
اقطعها قطع القثاء.
(1/1)
حدثني أبو محمد الحسن بن محمد بن الحسن الخلال وأبو طالب عمر بن إبراهيم بن سعيد
الفقيه قالا: نبأنا يوسف بن عمر القواس نبأنا محمد بن إسحاق المقري حدثني أبو عبد
الله أحمد بن يوسف بن الضحاك قال سمعت أبي يقول سمعت بشر بن الحارث يقول بغداد ضيقة
على المتقين ما ينبغي لمؤمن أن يقيم فيها قلت له: فهذا أحمد بن حنبل فما تقول؟ قال:
دفعتنا الضرورة إلى المقام بها كما دفعت الضرورة المضطر إلى أكل الميتة.
أنبأنا أبو الحسن أحمد بن أبي جعفر القطيعي قال: نبأنا عبيد الله بن عبد الرحمن قال
حدثنا أبو عبد الرحمن بن محمد الزهري قال نبأنا محمد بن إبراهيم بن جناد قال سمعت
أبا عمران الجصاص قال قلت لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله هذه أربعة دراهم درهم من
تجارة برة ودرهم من صلة الإخوان ودرهم من التعليم ودرهم من غلة بغداد فقال ما منها
شيء أحب إلي من التجارة ولا فيها شيء أكره عندي من صلة الإخوان وأما التعليم فإني
أرجو أن لا يكون به بأس لمن احتاج إليه وأما غلة بغداد فأنت تعرفها إيش تسألني
عنها.
حدثني عبد العزيز بن علي الوراق قال حدثنا علي بن عبد الله الهمداني بمكة قال نبأنا
الخلدي قال: حدثني أحمد بن عبد الله بن خالد قال سئل أحمد بن محمد بن حنبل عن مسألة
في الورع فقال: أنا أستغفر الله لا يحل لي أن أتكلم في الورع أنا آكل من غلة بغداد
لو كان بشر بن الحارث صلح أن يجيبك عنه فإنه كان لا يأكل من غلة بغداد ولا من طعام
السواد فهو يصلح أن يتكلم في الورع.
نبأنا أبو القاسم الأزهري أنبأنا أحمد بن محمد بن موسى وأنبأنا الحسن بن علي
الجوهري قال أنبأنا محمد بن العباس قالا أنبأنا أحمد بن جعفر بن محمد قال: وكان مما
بقي في كتابي غير مسموع عن أبي الحسن علي بن إسماعيل البزار المعروف بعلوية قال
نبأنا يحيى بن الصامت قال سأل رجل عبد الله بن المبارك: أين ترى لي أن أنزل من
بغداد متى ما دخلتها؟ قال: إن ابتليت بذلك فانزل نهر الدجاج فإنه في أيدي أربابه لم
يغصبوا عليه أحداً.
أخبرني عبيد الله بن أبي الفتح الفارسي قال حدثنا علي بن محمد بن إبراهيم الجوهري
نبأنا أبو الحسن طلحة بن أحمد بن حفص الصفار نبأنا العباس بن يوسف نبأنا أبو الطيب
الذام قال سمعت ابن المبارك يقول:
الزم الثغر والتعبد فيه ... ليس بغداد مسكن الزهاد
إن بغداد للملوك محل ... ومناخ للقارئ الصياد
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن عبد الله الأصبهاني أنبأنا جعفر بن محمد بن
نصير الخلدي أنبأنا مفضل بن محمد الجندي أنبأنا يونس بن محمد نبأنا يزيد بن أبي
حكيم قال سمعت سفيان الثوري يقول: المتعبد ببغداد كالمتعبد في الكنيف.
نبأنا الأزهري قال أنبأنا أحمد بن محمد بن موسى وأنبأنا الجوهري أنبأنا محمد بن
العباس قالا: أنبأنا أحمد بن جعفر قال حدثني جدي محمد بن عبيد الله المنادي قال:
قال لي أحمد بن حنبل: أنا أذرع هذه الدار التي أسكنها فأخرج الزكاة عنها في كل سنة
أذهب في ذلك إلى قول عمر بن الخطاب في أرض السواد.
أنبأنا أبو الحسين محمد بن علي بن محمد بن مخلد الوارق وأبو الحسين أحمد بن علي بن
الحسين التوزي قالا: أنبأنا أبو الحسن محمد بن جعفر بن هارون النحوي الكوفي نبأنا
أبو القاسم الحسن بن محمد السكوني قال: قال أبو بكر محمد بن خلف وهو وكيع القاضي لم
تزل بغداد مثل أرض السواد إلى سنة خمس وأربعين ومائة.
قال الخطيب: يعني إنها كانت تمسح ويؤخذ عنها الخراج حتى بناها أبو جعفر المنصور
ومصرها ونزلها وأنزلها الناس معه.
باب
الخبر عن السواد وفعل عمر فيه
ولأي علة ترك قسمته بين مفتتحيه:
أنبأنا أبو علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان البزاز أنبأنا دعلج بن أحمد بن
دعلج المعدل أنبأنا محمد بن علي بن يزيد الصايغ قال أنبأنا سعيد بن منصور نبأنا
هشيم قال أنبأنا العوام بن حوشب أنا إبراهيم التميمي قال: لما افتتح المسلمون
السواد قالوا لعمر بن الخطاب أقسمه بيننا فأبى فقالوا: إنا افتتحناها عنوة قال: فما
لمن جاء بعدكم من المسلمين؟ فأخاف أن تفاسدوا بينكم في المياه وأخاف أن تقتتلوا
فأقر أهل السواد في أرضهم وضرب على رؤوسهم الضرائب يعني الجزية وعلى أرضهم الطسق
يعني الخراج ولم يقسمها بينهم.
(1/2)
أنبأنا القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي بالبصرة أنا أبو علي
محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي قال أنا أبو داود سليمان بن الأشعث قال حدثنا أحمد بن
حنبل قال أنا عبد الرحمن يعني بن مهدي عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر قال:
لولا آخر للمسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم
خيبر.
أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن بن أحمد الخريبي بنيسابور قال أنبأنا أبو
العباس محمد بن يعقوب الأصم قال أنبأنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال أنبأنا
بن وهب قال أنبأنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه قال سمعت عمر بن الخطاب
يقول: لولا أني أترك الناس بياناً لا شيء لهم ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول
الله صلى الله عليه وسلم خيبر.
أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي قال أنبأنا عمر بن نوح
البجلي قال أنبأنا أبو خليفة قال حدثنا محمد بن كثير قال أنبأنا سفيان عن أبي إسحاق
عن حارثة بن مضرب قال: أراد عمر أن يقسم السواد فعدوهم فأصاب كل رجل ثلاثة من
الفلاحين فاستشار عمر فيهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا للناس نايبة
ولا يبقى لمن بعدهم شيء فتركهم. أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله بن بشران
المعدل قال أنبأنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار قال أنا الحسن بن علي بن عفان
قال أنا يحيى بن آدم قال أنا ابن المبارك عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب قال:
كتب عمر إلى سعد حين افتتح العراق: أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر أن الناس سألوك أن
تقسم بينهم مغانمهم وما أفاء الله عليهم فإذا أتاك كتابي هذا فانظر ما أجلب الناس
به عليه إلى العسكر من كراع أو مال واقسمه بين من حضر من المسلمين واترك الأرضين
والأنهار لعمالها ليكون ذلك في أعطيات المسلمين فإنك إن قسمتها بين من حضر لم يكن
لمن بقي بعدهم شيء.
اختلف الفقهاء في الأرض التي يغنمها المسلمون ويقهرون العدو عليه فذهب بعضهم إلى أن
الإمام بالخيار بين أن يقسمها على خمسة أسهم فيعزل منها السهم الذي ذكره الله تعالى
في آية الغنيمة فقال: " واعلموا إنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه " الآية ويقسم
السهام الأربعة الباقية بين الذين افتتحوها فإن لم يختر ذلك وقف جميعها كما فعل عمر
بن الخطاب في أرض السواد.
وممن ذهب إلى هذا القول أبو حنيفة النعمان بن ثابت وسفيان بن سعيد الثوري.
وقال مالك بن أنس: تصير الأرض وقفاً بنفس الاغتنام ولا خيار فيها للإمام.
وقال محمد بن إدريس الشافعي: ليس للإمام إيقافها وإنما يلزمه قسمتها فإن اتفق
المسلمون على إيقافها ورضوا إلا تقسم جاز ذلك واحتج من ذهب إلى هذا القول بما روى
أن عمر بن الخطاب قسم أرض السواد بين غانميها وحازوها ثم استنزلهم بعد ذلك عنها
واسترضاهم منها ووقفها.
فأما الأحاديث التي تقدمت بأن عمر لم يقسمها فإنها محمولة على أنه امتنع من إمضاء
القسم واستدامته بأن انتزع الأرض من أيديهم أو أنه لم يقسم بعض السواد وقسم بعضه ثم
رجع فيه. أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري قال أنبأنا
إسماعيل بن محمد الصفار قال نبأنا الحسن بن علي بن عفان قال نبأنا يحيى بن آدم قال
نبأنا بن أبي زيدة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: كنا ربع الناس
يوم القادسية فأعطانا عمر ربع السواد فأخذناه ثلاث سنين ثم وفد جرير إلى عمر بعد
ذلك فقال: أما والله لولا إني قاسم مسئول لكنتم على ما قسم لكم فأرى أن تردوا على
المسلمين ففعل وأجازه بثمانين ديناراً.
أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال أنبأنا عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم البغوي قال
أنبأنا علي بن عبد العزيز قال نبأنا أبو عبيد القاسم بن سلام قال نبأنا هشيم عن
إسماعيل عن قيس قال: قالت امرأة من بجيلة يقال لها أم كرز لعمر يا أمير المؤمنين إن
أبي هلك وسهمه ثابت في السواد وإني لم أسلمه فقال لها: يا أم كرز إن قومك قد صنعوا
ما قد علمت قالت: إن كانوا صنعوا ما صنعوا فإني لست أسلم حتى تحملني على ناقة ذلول
عليها قطيفة حمراء وتملأ كفي ذهباً قال: ففعل عمر ذلك.
(1/3)
قال
أبو عبيد فاحتج قوم بفعل عمر هذا وقالوا: إلا تراه قد أرضى جريراً والبجلية وعوضهما
وإنما وجه ذلك عندي أن عمر كان نفل جريراً وقومه ذلك نفلاً قبل القتال وقبل خروجه
إلى العراق فأمضى له نفله ولو لم يكن نفلاً ما خصه وقومه بالقسمة خاصة دون الناس
وإنما استطاب أنفسهم خاصة لأنهم قد كانا أحرزوا ذلك وملكوه بالنفل فلا حجة في هذا
لمن يزعم أنه لا بد للإمام من استرضائهم.
قال الخطيب: ثم إن عمر رضي الله عنه أقر أهل السواد فيه وضرب عليهم الخراج بعد أن
سلم إليهم الأرض يعملون فيها وينتفعون بها وبعث عماله لمساحتها وقبض الواجب عنها.
فأخبرنا الحسن بن أبي بكر قال أنبأنا عبد الله بن إسحاق البغوي قال أنبأنا علي بن
عبد العزيز قال نبأنا أبو عبيد قال نبأنا الأنصاري محمد بن عبد الله ولا أعلم
إسماعيل بن إبراهيم إلا قد حدثنا أيضاً عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي مجلز
أن عمر بن الخطاب بعث عمار ابن ياسر إلى الكوفة على صلاتهم وجيوشهم وعبد الله بن
مسعود على قضائهم وبيت مالهم وعثمان بن حنيف على مساحة الأرض ثم فرض لهم في كل يوم
شاة أو قال جعل لهم كل يوم شاة شطرها وسواقطها لعمار والشطر الآخر بين هذين ثم قال:
ما أرى قرية يؤخذ منها كل يوم شاة إلا سريعاً في خرابها قال فمسح عثمان بن حنيف
الأرض فجعل على جريب الكرم عشرة دارهم وعلى جريب النخل خمسة دارهم وعلى جريب القضب
ستة دارهم وعلى دريب البر أربعة دراهم وعلى جريب الشعير درهمين.
أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله القرشي قال أنبأنا إسماعيل بن محمد الصفار قال
نبأنا سعدان بن نصر قال أنا وكيع عن بن أبي ليلى عن الحكم: أن عمر بن الخطاب بعث
عثمان بن حنيف فمسح السواد فوضع على كل جريب عامر أو غامر حيث يناله الماء قفيزاً
ودرهماً قال وكيع: يعني الحنطة والشعير ووضع لي جريب الكرم عشرة دراهم وعلى جريب
الرطاب خمسة دارهم.
أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال أنبأنا عبد الله بن إسحاق قال أنبأنا علي بن عبد
العزيز قال أنا أبو عبيد قال أنا إسماعيل بن مجالد عن أبيه مجالد بن سعيد عن الشعبي
أن عمر بعث عثمان بن حنيف فمسح السواد فوجده ستة وثلاثين ألف ألف جريب فوضع على كل
جريب درهماً وقفيزاً. قال أبو عبيد: أرى حديث مجالد عن الشعبي هو المحفوظ ويقال إن
حد السواد الذي وقعت عليه المساحة من لدن تخوم الموصل ماداً مع الماء إلى ساحل
البحر ببلاد عبادان من شرقي دجلة هذا طوله وأما عرضه فحده منقطع الجبل من أرض حلوان
إلى منتهى طرف القادسية المتصل بالعذيب من أرض العرب فهذا حدود السواد وعليها وقع
الخراج.
أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن شجاع الصوفي قال أنبأنا أبو علي محمد بن أحمد بن
الحسن الصواف قال أنا محمد بن عبدوس بن كامل ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة قال: أنا
أبو بكر بن أبي شيبة قال أنا حميد بن عبد الرحمن عن حصين عن مطرف قال: ما فوق حلوان
فهو ذمة وما دون حلوان من السواد فهو فيء وسوادنا هذا فيء.
أنبأنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ قال ثنا أبو بكر محمد بن جعفر بن أحمد بن
الليث الواسطي قال ثنا أسلم بن سهل قال ثنا محمد بن صالح قال نبأنا هشام بن محمد بن
السايب قال: سمعت أبي يقول إنما سمى السواد سواداً لأن العرب حين جاءوا نظروا إلى
مثل الليل من النخل والشجر والماء فسموه سواداً.
أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن الحسين الأصبهاني بها قال أنبأنا أبو القاسم
سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني قال نبأنا علي بن عبد العزيز قال قال أبو عبيد كان
الأصمعي يتأول في سواد العراق إنما سمي به للكثرة وأما أنا فأحسبه سمي بالسواد
للخضرة التي في النخيل والشجر والزرع لأن العرب قد تلحق لون الخضرة بالسواد فتوضع
أحدهما موضع الآخر ومن ذلك قول الله تعالى حين ذكر الجنتين: " مدهامتان " هما في
التفسير خضراوان فوصفت الخضرة بالدهمة وهي من سواد الليل وقد وجدنا مثله في
أشعارهم.
قال ذو الرمة:
قد أقطع النازع المجهول معسفة ... في ظل أخضر يدعو هامة البوم
يريد بالأخضر الليل سماه بهذا لظلمته وسواده.
(1/4)
أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل قال أنبأنا إسماعيل بن محمد الصفار قال
نبأنا الحسن ابن علي بن عفان قال نبأنا يحيى بن آدم قال: قال حسن بن صالح: وأما
سوادنا هذا فإنا سمعنا إنه كان في أيدي النبط فظهر عليهم أهل فارس فكانوا يؤدون
إليهم الخراج فلما ظهر المسلمون على أهل فارس تركوا السواد ومن لم يقاتلهم من النبط
والدهاقين على حالهم ووضعوا الجزية على رؤوس الرجال وسمحوا عليهم ما كان في أيديهم
من الأرض ووضعوا عليها الخراج وقبضوا كل أرض ليست في يد أحد فكانت صوافي إلى
الإمام.
قال يحيى: كل أرض كانت لعبدة الأوثان من العجم أو لأهل الكتاب من العجم أو العرب
ممن تقبل منهم الجزية فإن أرضيهم أرض خراج إن صالحوا على الجزية على رءوسهم والخراج
على أرضيهم فإن ذلك يقبل منهم وإن ظهر عليهم المسلمون فإن الإمام يقسم جميع ما
أجلبوا به في العسكر من كراع أو سلاح أو مال بعد ما يخمسه وهي الغنيمة التي لا يوقف
شيء منها. وذلك قوله عز وجل: " واعلموا إنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه " وأما
القرى والمدائن والأرض فهي فيء كما قال الله تعالى: " ما أفاء الله على رسوله من
أهل القرى " فالإمام بالخيار في ذلك إن شاء وقفه وتركه للمسلمين وإن شاء قسمه بين
من حضره.
أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال أنبأنا عبد الله بن إسحاق قال أنبأنا علي بن عبد
العزيز قال: قال أبو عبيد: إنما جعل يعني عمر الخراج على الأرضين التي تغل من ذوات
الحب والثمار والتي تصلح للغلة من العامر والغامر وعطل من ذلك المساكن والدور التي
هي منازلهم فلم يجعل عليهم فيها شيئاً.
باب
ذكر حكم بيع أرض السواد
وما روى في ذلك من الصحة والفساد:
أخبرنا علي بن محمد بن عبيد الله المعدل قال أنبأنا إسماعيل بن محمد الصفار قال
أنبأنا الحسن ابن علي بن عفان قال أنبأنا يحيى بن آدم قال حدثني الحسن بن صالح قال
أبو علي الصفار أظنه عن منصور عن عبيد أبي الحسن عن عبد الله بن مغفل المزني قال:
لا تباع أرض دون الجبل إلا أرض بني صلوبا وأرض الحيرة فإن لهم عهداً.
أنبأنا الحسن بن أبي بكر قال أنبأنا عبد الله بن إسحاق البغوي قال أنبأنا علي بن
عبد العزيز قال نبأ أبو عبيد قال أنبأ عباد بن العوام عن حجاج عن الحكم عن عبد الله
بن مغفل قال: لا تشترين من أهل السواد إلا من أهل الحيرة وبانقيا وأليس قال أبو
عبيد: فأما أهل الحيرة فإن خالد بن الوليد كان صالحهم في دهر أبي بكر وأما أهل
بانقيا وأليس فإنهم دلوا أبا عبيد وجرير بن عبد الله البجلي على مخاضة حتى عبروا
إلى فارس فبذلك كان صلحهم وأمانهم ويروى عن الحسن بن صالح بن حي: أنه رخص في شراء
أرض الصلح وكره شراء أرض العنوة وهو مذهب مالك ابن أنس.
وجاء عن مجاهد بن جبر: في أرض العنوة نحو ذلك.
أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رزق البزار قال أنبأنا محمد بن
يحيى بن عمر بن علي بن حرب الطائي قال نبأنا علي بن حرب عن سفيان بن عيينة عن بن
أبي نجيح عن مجاهد قال: أيما مدينة افتتحت عنوة فأسلموا قبل أن يقسموا فأموالهم
للمسلمين.
أنبأنا محمد بن أبي نصر النرسي قال حدثين جدي علي بن أحمد بن محمد بن يوسف القاضي
بسر من رأى قال أنبأنا إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي قال أنبأنا أبو مصعب عن مالك
بن أنس قال: أما أهل الصلح فإن من أسلم منهم أحق بأرضه وماله وأما أهل العنوة الذين
أخذوا عنوة فإن من أسلم منهم أحرز له إسلامه نفسه وكانت أرضه للمسلمين فيئاً لأن
أهل العنوة قد غلبوا على بلادهم وصارت فيئاً للمسلمين.
أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال أنبانا عبد الله بن إسحاق قال أنبأنا علي بن عبد
العزيز قال نبأنا أبو عبيد قال حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير قال: قال مالك: كل
أرض فتحت صلحاً فهي لأهلها لأنهم منعوا بلادهم حتى صلحوا عليها وكل بلاد أخذت عنوة
فهي فيئ للمسلمين.
أخبرنا علي بن محمد المعدل قال أنبأنا إسماعيل بن محمد الصفار قال نبأنا الحسن بن
علي العامري قال: قال يحيى بن آدم: وكره حسن يعني ابن صالح شراء أرض الخراج ولم ير
بأساً بشراء أرض الصلح مثل الحيرة ونحوها.
(1/5)
قال
الشيخ: فهؤلاء الذين كرهوا شراء أرض السواد إنما كرهوه لجهتين إحداهما أن الخراج
كانوا يذهبون إلى أنه صغار فلم يروا أن يدخلوا فيه والثانية أن السواد لما فتح عنوة
ووقف فلم يقسم حصل عندهم مما لا يجوز بيعه سوى من رخص في المواضع التي ذكر أن
لأهلها ذمة وهي بانقيا والحيرة وأليس خاصة وقد روى عن محمد بن سيرين أنه قال: بعض
السواد عنوة وبعضه صلح من غير تبيين لأحد الأمرين من الآخر.
أخبرنا علي بن محمد المعدل قال أنبأنا إسماعيل بن محمد الصفار قال نبأنا الحسن بن
علي قال قال حدثنا يحيى بن آدم قال أنا أبو زيد عن أشعث عن ابن سيرين قال السواد
منه صلح ومنه عنوة فما كان منه عنوة فهو للمسلمين وما كان منه صلحاً فلهم أموالهم.
وقال يحيى: حدثنا الحسن ابن صالح عن أشعث عن ابن سيرين قال: ما نعلم من له ممن ليس
له صلح من أهل السواد. قال الشيخ أبو بكر: فيحتمل أن يكون الصلح الذي ذكره ابن
سيرين من السواد هو لأهل المواضع التي سميناها في حديث أبي عبيد ويحتمل أن يكون
لقوم آخرين وأنا نظرنا في ذلك فوجدنا من السواد شيئاً ذكر أنه صلح سوى ما تقدم
ذكرنا له.
أخبرنا علي بن أبي بكر القنوي قال أنبأنا إسماعيل بن محمد الصفار قال نبأنا الحسن
بن علي قال نبأنا يحيى بن آدم قال نبأنا الحسن بن صالح عن أشعث عن الشعبي قال: صالح
خالد بن الوليد أهل الحيرة وأهل عين التمر قال: وكتب بذلك إلى أبي بكر فأجازه قال
يحيى: قلت للحسن ابن صالح فأهل عين التمر مثل أهل الحيرة إنما هو شيء عليهم وليس
على أرضيهم؟ قال: نعم. وقال يحيى حدثنا حسن بن صالح عن جابر عن الشعبي قال: لأهل
الأنبار عهد أو قال عقد. وذكر محمد بن خلف وكيع القاضي: أن محمد بن إسحاق الصغاني
أخبرهم قال نبأنا أبو سعيد الحداد قال نبأنا محمد بن الحسين عن أبي شيبة عن الحكم
قال: كلواذي صلح.
أخبرنا بذلك محمد بن علي الوراق قال أنبأنا محمد بن جعفر التميمي قال نبأنا الحسن
بن محمد السكوني قال نبأنا محمد بن خلف: وبغداد من أفنية كلواذي فقد حصلت من بلاد
الصلح على هذه الرواية وفي كونها صلحاً جواز بيع أرضها ولا أحسب الذين كرهوا شراء
أرض بغداد انتهت إليهم هذه الرواية عن الحكم.
وقد كان الليث بن سعد اشترى شيئاً من أرض مصر وحكمها حكم سواد العراق وإنما استجاز
الليث ذلك لأنه كان يحدث عن يزيد بن أبي حبيب: أن مصر صلح.
وكان مالك بن أنس وعبد الله بن لهيعة ونافع بن يزيد ينكرون على الليث ذلك الفعل لأن
مصر كانت عندهم عنوة ولعل حديث يزيد بن أبي حبيب لم ينته إليهم أو بلغهم فلم يثبت
عندهم والله أعلم.
فصل
قال الشيخ أبو بكر: قد ذكرنا فيما تقدم القول بأن السواد في الجملة فتح عنوة وصار
غنيمة للمسلمين فقال بعض أهل العلم: لما لم يقسم ووقف صار بيعه لا يصح ويؤيد هذا
قول عمر بن الخطاب لطلحة بن عبيد الله وعتبة بن فرقد أما قوله لطلحة.
فأخبرنا الحسين بن شجاع الصوفي قال أنبأنا محمد بن أحمد بن الحسن الصواف قال نبأنا
محمد ابن عبدوس بن كامل ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة قالا: نبأنا أبو بكر بن أبي
شيبة قال نبأنا حميد بن عبد الرحمن عن حسين عن مطرف عن بعض أصحابه قال: اشترى طلحة
بن عبيد الله أرضا من النشاستك نشاستك بني طلحة هذا الذي عند السيلحين فأتى عمر بن
الخطاب فذكر ذلك له فقال: إني اشتريت أرضاً معجبة فقال له عمر: ممن اشتريتها؟
اشتريتها من أهل الكوفة؟ اشتريتها من أهل القادسية؟ قال طلحة: وكيف أشتريها من أهل
القادسية كلهم؟ قال: إنك لم تصنع شيئاً إنما هي فيء.
وأما قوله لعتبة.
فأخبرنا محمد بن أحمد بن رزق وعلي بن محمد بن بشران قالا: أنبأنا إسماعيل بن محمد
الصفار قال نبأنا الحسن بن علي بن عفان قال نبأنا يحيى بن آدم عن عبد السلام بن حرب
عن بكير بن عامر عن عامر قال: اشترى عتبة بن فرقد أرضاً من أرض الخراج ثم أتى عمر
فأخبره فقال: ممن اشتريتها؟ قال: من أهلها قال: فهؤلاء أهلها المسلمون أبعتموه
شيئاً؟ قالوا: لا قال: فاذهب فاطلب مالك.
(1/6)
وأخبرنا ابن رزق وابن بشران قالا: أنبأنا إسماعيل قال نبأنا الحسن قال نبأنا يحيى
قال نبأنا قيس عن أبي إسماعيل عن الشعبي عن عتبة بن فرقد قال: اشتريت عشرة أجربة من
أرض السواد على شاطئ الفرات لقضب لدوابي فذكرت ذلك لعمر فقال لي: اشتريتها من
أصحابها؟ قلت: نعم قال: رح إلي فرحت إليه فقال: يا هؤلاء أبعتموه شيئاً؟ قالوا: لا
قال: ابتغ مالك حيث وضعته.
وقال قوم: بل السواد ملك لأهله لأن عمر أقره في أيديهم وفرض الخراج عليهم وقال: قوم
باعهم عمر الأرض بالخارج فلهم رقاب الأرض يتوارثونها ويتبايعونها واحتجوا على ذلك
بما.
أخبرنا القاضي أبو الفرج محمد بن أحمد بن الحسن الشافعي قال أنبأنا أحمد بن يوسف بن
خلاد المعدل قال نبأنا محمد بن يونس قال نبأنا عبد الله بن داود الخريبي قال كان
الحسن والحسين لا يريان بأساً بأرض الخراج.
وأخبرنا بن رزق وابن بشران قالا: أنبأنا إسماعيل الصفار قال نبأنا الحسن بن علي قال
نبأنا يحيى بن آدم قال نبأنا حسن بن صالح عن بن أبي ليلى قال: اشترى الحسن بن علي
ملحة أو ملحاً واشترى الحسين بريدين من أرض الخراج وقال: وقد رد إليهم عمر أرضيهم
وصالحهم على الخراج الذي وضعه عليهم قال: وكان ابن أبي ليلى لا يرى بشرائها بأساً.
أخبرنا عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري قال أنبأنا إسماعيل بن محمد الصفار
قال نبأنا الحسن بن علي بن عفان قال نبأنا يحيى بن آدم قال نبأنا ابن المبارك عن
سفيان بن سعيد قال: إذا ظهر على بلاد العدو فلا إمام بالخيار إن شاء قسم البلاد
والأموال والسبي بعد ما يخرج الخمس من ذلك وإن شاء من عليهم فترك الأرض والأموال
فكانوا ذمة للمسلمين كما صنع عمر ابن الخطاب بأهل السواد فإن تركهم صاروا عهدا
توارثوا وباعوا أرضهم قال يحيى: وسمعت حفص بن غياث يقول: تباع ويقضى بها الدين
وتقسم في المواريث.
أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال أنبأنا عبد الله بن إسحاق قال أنبانا علي بن عبد
العزيز قال: قال أبو عبيد: ومع هذا كله إنه قد سهل في الدخول في أرض الخراج أئمة
يقتدى بهم ولم يشترطوا عنوة ولا صلحاً منهم من الصحابة ابن مسعود ومن التابعين محمد
بن سيرين وعمر بن عبد العزيز وكان ذلك رأى سفيان الثوري فيما يحكي عنه.
أما حديث ابن مسعود فأخبرناه أبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل بن شاذان الصيرفي
بنيسابور قال نبأنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم قال نبأنا أبو عمر أحمد بن عبد
الجبار العطاردي قال نبأنا أبو معاوية عن الأعمش.
وأنبأنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن رزق البزار أنبأنا عثمان بن أحمد الدقاق نبأنا
محمد بن عبيد الله المنادي أنا أبو بدر نبأنا سليمان بن مهران وهو الأعمش عن شمر بن
عطية عن المغيرة بن سعد بن الأخرم عن أبيه قال: قال عبد الله: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: " لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا " .
قال عبد الله وبراذان ما براذان! وبالمدينة ما بالمدينة! فقد ذكر ابن مسعود في هذا
الحديث أن له براذان مالا.
أخبرنا أبو أحمد عبد الله بن عبيد الله بن أحمد الدقاق وأبو محمد عبد الله بن يحيى
السكري قالا: أنبأنا إسماعيل بن محمد الصفار قال نبأنا سعدان بن نصر قال نبأنا أبو
معاوية عن الحجاج عن القاسم بن عبد الرحمن قال: اشترى عبد الله أرضاً من أرض الخراج
قال فقال له صاحبها يعني دهقانها: أنا أكفيك إعطاء خراجها والقيام عليها.
وأما حديث ابن سيرين فأخبرناه الحسن بن أبي بكر قال أنبأنا عبد الله بن إسحاق
البغوي قال أنبأنا علي بن عبد العزيز قال نبأنا أبو عبيد قال: حدثني قبيصة عن سفيان
عن عبد العزيز بن قرير عن ابن سيرين: أنه كانت له أرض من أرض الخراج وكان يعطيها
بالثلث والربع.
وأما حديث عمر بن عبد العزيز فأخبرناه الحسن بن أبي بكر قال: أنبأنا عبد الله بن
إسحاق قال أنبأنا علي بن عبد العزيز قال نبأنا أبو عبيد قال نبأنا عبد الرحمن بن
مهدي عن حماد بن سلمة عن رجاء أبي المقدام عن نعيم بن عبد الله أن عمر بن عبد
العزيز أعطاه أرضاً بجزيتها.
(1/7)
قال
عبد الرحمن: يعني من أرض السواد قال أبو عبيد: وكأن عمر بن عبد العزيز تأول الرخصة
في أرض الخراج أن الجزية التي قال الله تعالى: " حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون
" إنما هي على الرؤوس لا على الأرض وكذلك يروي عنه قال أبو عبيد يقول: والداخل في
أرض الجزية ليس يدخل في هذه الآية.
قال أبو عبيد: وقد احتج قوم من أهل الرخصة بإقطاع عثمان من أقطع من أصحاب النبي صلى
الله عليه وسلم بالسواد والذي يروى عن سفيان أنه قال: إذا أقر الإمام أهل العنوة في
أرضهم توارثوها وتبايعوها فهذا يبين لك أن رأيه الرخصة فيها.
قال أبو عبيد: إنما كان اختلافهم في الأرضين المغلة التي يلزمها الخراج من ذات
المزارع والشجر فأما المساكن والدور بأرض السواد فما علمنا أحداً كره شراءها
وحيازتها وسكنها قد اقتسمت الكوفة خططاً في زمن عمر وهو أذن في ذلك ونزلها من أكبار
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان منهم سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود
وعمراً وحذيفة وسلمان وخباب وأبو مسعود وغيرهم. ثم قدمها علي عليه السلام فيمن معه
من الصحابة فأقام بها خلافته كلها ثم كان التابعون بعد بها فما بلغنا أن أحداً منهم
ارتاب بها ولا كان في نفسه منها شيء بحمد الله ونعمته وكذلك سائر السواد والحديث في
هذا أكثر من أن يحصى.
أخبرنا أبو القاسم الأزهري قال أنبأنا أحمد بن محمد بن موسى القرشي وأنبأنا الحسن
بن علي الجوهري قال أنبأنا محمد بن العباس الخزاز قال أنبأنا أحمد بن جعفر أبو
الحسين قال: كان فيما فاتني عن العباس بن عبد الله الترقفي حدثني علي بن الصباح ابن
أخت الهروي قال: أتيت عبد الله بن داود الخريبي فسألته سكنى بغداد قال: ولا بأس قلت
له: أين فإن سفيان الثوري كان لا يدخلها فقال: كان سفيان يكره جوار القوم وقربهم
قلت: فابن المبارك يقول إنه كان كلما دخلها يتصدق بدينار فقال: ومن أين يصح هذا لنا
عن ابن المبارك قلت: فسمعت ابن حرب والفضيل ابن عياض فقال: لم تذكر لنا فقيهاً بعد
قلت: فسمعت ابن حرب والفضيل بن عياض فقال: لم تذكر لنا فقيهاً بعد قلت: فما تقول في
أرض السواد؟ فقال: خذ بيدك من اتخذ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض
السواد اتخذها سعد بن أبي وقاص وابن مسعود وعمار وحذيفة وسلمان وأنس قال البيهقي:
وسمعت الحسن بن الربيع البوراني يقول: قيل لابن المبارك: إن الناس يقولون إنك كلما
دخلت بغداد تصدقت بدينار فقال: إن دنانيرنا إذاً لكثيرة فقال أبو الحسين أحمد بن
جعفر: وهذا إخبار من ابن المبارك وليس هو بجواب سؤال السائل وأنا نكره المراجعة
فاستعمال المحاجزة والآفات المشهور عنه فيها التغليظ والذم الصريح والصدقة إذا
دخلها مجتازاً غير مختار وقد ذكر عنه في ذم ساكنيها مع الكلام أشعار.
فمنها ما أخبر به عن أبي الحسن محمد بن محمد المعروف بحبيش بن أبي الورد قال: قال
ابن المبارك يذم الناسك الذي سكن بغداد:
أيها الناسك الذي لبس الصوف ... وأضحى يعد في العباد
الزم الثغر والتعبد فيه ... ليس بغداد مسكن الزهاد
إن بغداد للملوك محل ... ومناخ للقارئ الصياد
أخبرنا أبو القاسم عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي قال نبأنا محمد بن العباس
الخزاز قال نبأنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز قال نبأنا أبو زكريا يحيى بن أيوب
العابد قال: شهدت معروفاً يعني الكرخي ورجل عنده فذكر أن بغداد غصب فقال له معروف:
يا هذا اتق الله احفظ لسانك ما نعرف شيئاً غصب.
(1/8)
أنبأنا محمد بن علي الوراق وأحمد بن علي المحتسب قالا: أنبأنا محمد بن جعفر بن
هارون الكوفي قال نبأنا الحسن بن محمد السكوني قال نبأنا محمد بن خلف قال: زعم عبد
الله بن أبي سعد قال حدثني أحمد بن حميد بن جبلة قال حدثني أبي عن جدي جبلة قال:
كانت مدينة أبي جعفر قبل بنائها مزرعة للبغداديين يقال لها المباركة وكانت لستين
نفساً من البغداديين فعوضهم عنها عوضاً أرضاهم وأخذ جدي جبلة قسمه بينهم وكان شارع
طريق الأنبار لأهل قرية بباب الشام يسمون الترايتة قال: وقال ابن أبي سعد عن أبيه
قال سمعت السري بن الحطم وأظنه من بجيلة بن عمر أن المنصور كان ابتاع منه ما بين
قنطرة البردان أبي الجسر وأنه لم يقبض ثمن ذلك منه وأن حد أرضه من الجسر حتى ينتهي
إلى قرية تعرف بالأثلة على فرسخ من الجانب الشرقي ومنزلة بالحطمية على ميلين من
بغداد ورفع في ذلك إلى الرشيد وإلى المأمون فلم يعطياه.
قال الشيخ أبو بكر: وفي حديثي ابن أبي سعد هذين إبطال لقول من زعم أن بغداد دار غصب
ودحض لزعمه وكسر لدعواه وقد قدمنا القول عمن حكيناه عنه في إجازة بيع أرض السواد
وتحصل منه أن أرض بغداد ملك لأربابها يصح أن تورث وتستغل وتباع وعلى ذلك كان من
أدركنا من العلماء والقضاة والشهود والفقهاء لا يكرهون الشهادة في مبيع ولا يتوقفون
عن الحكم في موروث وبهم يقتدى فيما وقع التنازع فيه وحكمهم هو الحجة على مخالفيه مع
ما.
أخبرنا أبو القاسم الأزهري قال أنبأنا أحمد بن محمد بن موسى وأخبرنا الحسن بن علي
الجوهري قال أنبأنا محمد بن العباس قالا: أنبأنا أحمد بن جعفر بن المنادي قال: سأل
رجل أحمد بن محمد بن حنبل عن العقار الذي كان يستغله ويسكن في دار منه كيف سبيله
عنده؟ فقال له: هذا شيء ورثته عن أبي فإن جاءني أحد فصحح أنه له خرجت عنه ودفعته
إليه.
ذكر أقاليم الأرض السبعة وقسمتها
وأن الإقليم الذي فيه بغداد سرتها:
ذكر علماء الأوائل أن أقاليم الأرض سبعة وأن الهند رسمتها فجعلت صفة الأقاليم كأنها
حلقة مستديرة يكتنفها ست دوائر على هذه الصفة كل دائرة منها إقليم من الأقاليم
الستة فالدائرة الوسطى هي إقليم بابل والدوائر الست المحدقة بالدائرة الوسطى:
فالإقليم الأول منها إقليم بلاد الهند والإقليم الثاني إقليم الحجاز والإقليم
الثالث إقليم مصر والإقليم الرابع إقليم بابل وهو الممثل بالدائرة الوسطى التي
اكتنفتها سائر الدوائر وهو أوسط الأقاليم وأعمرها وفيه جزيرة العرب وفيه العراق
الذي هو سرة الدنيا.
وحد هذا الإقليم مما يلي أرض الحجاز وأرض نجد الثعلبية من طريق مكة وحده مما يلي
الشام وراء مدينة نصيبين من ديار ربيعة بثلاثة عشر فرسخاً وحده مما يلي أرض خراسان
وراء نهر بلخ وحده مما يلي الهند خلف الديبل بستة فراسخ وبغداد في وسط هذا الإقليم.
والإقليم الخامس بلاد الروم والشام والإقليم السادس بلاد الترك والإقليم السابع
بلاد الصين فالإقليم الرابع الذي فيه العراق وفي العراق بغداد هو صفوة الأرض ووسطها
لا يلحق من فيه عيب سرف ولا تقصير.
قالوا ولذلك اعتدلت ألوان أهله وامتدت أجسامهم وسلموا من شقرة الروم والصقالبة ومن
سواد الحبش وسائر أجناس السودان ومن غلظة الترك ومن جفاء أهل الجبال وخراسان ومن
دمامة أهل الصين ومن جانسهم وشاكل خلقهم فسلموا من ذلك كله واجتمعت في أهل هذا
القسم من الأرض محاسن جميع أهل الأقطار بلطف من العزيز القهار وكما اعتدلوا في
الخلقة كذلك لطفوا في الفطنة والتمسك بالعلم والأدب ومحاسن الأمور وهم أهل العراق
ومن جاورهم وشاكلهم.
ذكر تعريب اسم العراق ومعناه
وأن حده حد السواد ومنتهاه:
أخبرنا علي بن أبي علي البصري قال أنبأنا إسماعيل بن سعيد المعدل قال قال أبو بكر
محمد بن القاسم الأنباري قال ابن الأعرابي: إنما سمي العراق عراقاً لأنه سفل عن نجد
ودنا من البحر أخذ من عراق القربة وهو الخرز الذي في أسفلها.
وقال غيره: العراق معناه في كلامهم الطير قالوا: وهو جمع عرقة والعرقة ضرب من الطير
ويقال أيضاً: العراق جمع عرق.
وقال قطرب: إنما سمي العراق عراقاً لأنه دنا من البحر وفيه سباخ وشجر يقال: استعرقت
إبلكم إذا أتت ذلك الموضع.
(1/9)
أخبرنا أحمد بن أبي جعفر القطيعي قال نبأنا محمد بن العباس الخزاز قال أنبأنا أبو
أيوب سليمان بن إسحاق الجلاب قال: قال أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربي: العراق
من يلد إلى عبادان وعرضه من العذيب إلى جبل حلوان وإنما سميت العراق عراقاً لأن كل
استواء عند نهر أو عند بحر عراق وإنما سمي السواد سواداً لأنهم قدموا يفتحون الكوفة
فلما أبصروا سواد النخل قالوا: ما هذا السواد؟ أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن بكير
المقرئ قال حدثني أحمد بن محمد بن إبراهيم الأنباري قال نبأنا أبو عمر محمد بن أحمد
الحليمي قال نبأنا آدم بن أبي إياس عن ابن أبي ذئب عن معن بن الوليد عن خالد بن
معدان عن معاذ بن جبل قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم بارك لنا في صاعنا
ومدنا وفي شامنا وفي يمننا وفي حجازنا " قال فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله وفي
عراقنا فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم فلما كان في اليوم الثاني قال مثل ذلك فقام
إليه الرجل فقال: يا رسول الله وفي عراقنا فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم فلما كان
في اليوم الثالث قام إليه الرجل فقال: يا رسول الله وفي عراقنا فأمسك النبي صلى
الله عليه وسلم فولى الرجل وهو يبكي فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " أمن
العراق أنت " قال: نعم قال: " إن أبي إبراهيم عليه السلام هم أن يدعو عليهم فأوحى
الله تعالى إليه لا تفعل فإني جعلت خزائن علمي فيهم وأسكنت الرحمة قلوبهم " .
أخبرنا الحسن بن علي بن عبد الله المقرئ قال أنبأنا محمد بن جعفر التميمي الكوفي
قال أنبأنا الجلودي يعني أبا أحمد البصري قال أنبأنا محمد بن زكويه عن ابن عائشة
قال: كتب عمر بن الخطاب إلى كعب الأحبار: اختر لي المنازل قال: فكتب: يا أمير
المؤمنين إنه بلغنا أن الأشياء اجتمعت فقال السخاء: أريد اليمن فقال حسن الخلق: أنا
معك وقال الجفاء: أريد الحجاز فقال الفقر: وأنا معك وقال البأس: أريد الشام فقال
السيف: وأنا معك وقال العلم: أريد العراق فقال العقل: وأنا معك وقال الغنى: أريد
مصر فقال الذل: وأنا معك فاختر لنفسك قال: فلما ورد الكتاب على عمر قال: فالعراق
إذاً فالعراق إذاً.
أخبرنا محمد بن الحسين القطان قال أنبأ عبد الله بن جعفر النحوي قال نبأنا يعقوب بن
سفيان قال نبأنا قبيصة قال نبأنا سفيان عن الأعمش عن شمر بن عطية عن رجل عن عمر قال
أهل العراق كنز الإيمان وجمجمة العرب وهم رمح الله عز وجل يحرزون ثغورهم ويمدون
الأمصار.
ذكر خبر غارة المسلمين على سوق بغداد
قال الشيخ أبو بكر: كانت بغداد في أيام مملكة العجم قرية يجتمع فيها رأس كل سنة
التجار ويقوم بها للفرس سوق عظيمة فلما توجه المسلمون إلى العراق وفتحوا أول السواد
ذكر للمثنى بن حارثة الشيباني أمر سوق بغداد.
(1/10)
فأخبرنا محمد بن أحمد بن رزق البزار قال أنبأنا محمد بن أحمد بن الحسن الصواف قال
نبأنا الحسن بن علي القطان قال نبأنا إسماعيل بن عيسى العطار قال أنبأنا إسحاق بن
بشر أبو حذيفة قال: قال ابن إسحاق وحدثني عبيد الله: أن أهل الحيرة قالوا للمثنى:
إلا ندلك على قرية تأتيها تجار مدائن كسرى وتجار السواد ويجتمع بها في كل سنة من
أموال الناس مثل خراج العراق وهذه أيام سوقهم التي يجتمعون فيها فان أنت قدرت على
أن تعبر إليهم وهم لا يشعرون أصبت بها مالاً يكون فيه عز للمسلمين وقوة على عدوهم
وبينها وبين مدائن كسرى عامة يوم فقال لهم: فكيف لي بها؟ فقالوا له: إن أردتها فخذ
طريق البر حتى تنتهي إلى الأنبار ثم تأخذ رؤوس الدهاقين فيبعثون معك الأدلاء فتسير
سواد ليلة من الأنبار حتى تأتيهم ضحى قال: فخرج من النخيلة ومعه أدلاء أهل الحيرة
حتى دخل الأنبار فنزل بصاحبها فتحصن منه فأرسل إليه: ما يمنعك من النزول؟ فأرسل
إليه إني أخاف فأرسل إليه: انزل فإنك آمن على دمك وقريتك وترجع سالماً إلى حصنك
فتوثق عليه ثم نزل فقال: إني أريد أن تبعث معي دليلاً يدلني على بغداد فإني أريد أن
أعبر منها إلى المدائن قال: أنا أجيء معك قال المثنى: لا أريد أن تجيء معي ولكن
ابعث معي من يعرف الطريق ففعل وأمر لهم بعلف وطعام وزاد وبعث معهم دليلاً فأقبل حتى
إذا بلغ المنصف قال له المثنى: كم بيننا وبين هذه القرية؟ قال: أربعة فراسخ أو خمسة
وقد بقي عليك ليل فقال لأصحابه: انزلوا فاقضموا وأطعموا وابعثوا الطلائع فلا يلقون
أحداً إلا حبسوه ثم سار بهم فصبحهم في أسواقهم فوضع فيهم السيف فقتل وأخذ الأموال
وقال لأصحابه: لا تأخذوا إلا الذهب والفضة ومن المتاع ما يقدر الرجل منكم على حمله
على دابته وهرب الناس وتركوا أمتعتهم وأموالهم وملأ المسلمون أيديهم من الصفراء
والبيضاء ثم رجع راجعاً حتى نزل بنهر السيلحين فقال للمسلمين: احمدوا الله الذي
سلمكم وغنمكم انزلوا فاعلفوا خيلكم من هذا القضب وعلقوا عليها وأصيبوا من أزوادكم
ثم سار وسمع القوم يهمس بعضهم إلى بعض: إن القوم سراع الآن في طلبنا فقال: قبح الله
ما تتناجون به أيسر بعضكم إلى بعض أتحسبونهم الآن في طلبكم؟ فوالله لو كان الصريخ
قد بلغهم الآن إنه لكثير ولو كان الصريخ عندهم لدخلهم من رعب غارتنا عليهم إلى جنب
مدائنهم ما يشغلهم عن طلبنا حتى نلحق معسكرنا وجماعتنا ولو كان بهم من القوة
والجرأة ما يحملهم على طلبنا ثم جهدوا جهدهم ما أدركونا نحن على الجياد العراب وهم
على المقاريف البطاء ولو أنهم طلبونا فأدركونا لم نكن نقاتلهم إلا التماس الثواب
ورجاء النصر وعمركم الله لقد نصرتم عليهم وهم أكثر منكم وأعز فأقبلوا ومعهم دليلهم
حتى انتهى إلى الأنبار واستقبلهم صاحبها بالكرامة فوعده المثنى الإحسان إليه لو قد
استقام أمرهم فرجع المثنى إلى عسكره.
قال الشيخ أبو بكر: والمثنى هو ابن حارثة بن سلمة بن ضمضم بن سعيد بن مرة بن ذهل بن
شيبان بن ثعلبة بن عكان بن صعب بن علي بن بكر بن وائل وهو أول من حارب الفرس في
أيام أبي بكر الصديق.
باب
ذكر أحاديث رويت في الثلب لبغداد
والطعن على أهليها وبيان فسادها وعللها وشرح أحوال رواتها وناقليها
أخبرنا أبو القاسم علي بن محمد بن عيسى بن موسى البزار قال أنبأنا أبو الحسن علي بن
محمد بن أحمد المصري قال نبأنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق قال نبأنا إبراهيم بن
زياد قال نبأنا خلف بن تميم قال نبأنا عمار بن سيف قال: سمعت سفيان الثوري يسأل
عاصماً الأحول عن هذا الحديث فحدثه عاصم وأنا حاضر عن أبي عثمان عن جرير قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تبنى مدينة بين دجلة ودجيل وقطربل والصراة تجبى
إليها خزائن الأرض وجبابرتها لهي أسرع ذهاباً في الأرض من الوتد الحديد في الأرض
الرخوة " .
(1/11)
أخبرنا أبو الحسين أحمد بن عمر بن روح النهرواني قال أنبأنا طلحة بن أحمد بن الحسن
الصوفي قال أنبأ محمد بن أحمد بن صفوة قال نبأنا يوسف بن سعيد قال نبأنا خلف بن
تميم قال حدثني عمار بن سيف عن عاصم عن أبي عثمان قال: مر جرير بن عبد الله بقنطرة
الصراة فقيل: يا صاحب رسول الله إلا تنزل فتصيب من الغداء قال: فضرب خاصرة فرسه
بسوطه وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " تبنى مدينة بين دجلة ودجيل
وقطربل والصراة يجبى إليها خزائن الأمصار وجبابرتها يخسف بها وبمن فيها فلهي أسرع
ذهاباً في الأرض من الوتد الحديد في الأرض الرخوة " .
أخبرنا علي بن أبي علي المعدل والحسن بن علي الجوهري قالا: نبأنا علي بن محمد بن
أحمد بن لؤلؤ الوراق قال نبأنا أبو عبيد محمد بن أحمد بن المؤمل الصيرفي قال نبأنا
محمد بن علي بن خلف قال نبأنا حسين الأشقر عن عمار بن سيف الضبي عن عاصم عن أبي
عثمان النهدي قال: سمعت جرير بن عبد الله يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" تبنى مدينة بين دجلة ودجيل وقطربل والصراة يجبى إليها خراج أهل الدنيا وجبابرتها
لهي أسرع انقلاباً بأهلها من الوتد الحديد في الأرض الرخوة " .
أخبرنا أبو القاسم عبد الملك بن محمد بن عبد الله بن بشران الواعظ قال أنبأنا أحمد
بن إسحاق بن نيخاب الطيبي قال نبأنا بشر بن موسى قال نبأنا الحسن بن حماد قال نبأنا
إسحاق بن منصور السلولي عن عمار بن سيف قال: سمعت عاصماً الأحول وسأله سفيان عن أبي
عثمان عن جرير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تبنى مدينة بين قطربل والصراة
ودجلة ودجيل يخرج بها جبابرة أهل الأرض يجبى إليهم الخراج يخسف الله بها فلهي أسرع
ذهاباً في الأرض من المعول في الأرض النخرة أو الخورة " .
أخبرني الحسن بن علي بن عبد الله المقري قال نبأنا إسماعيل بن الحسن قال حدثنا
الحسين بن إسماعيل المحاملي قال نبأنا محمد بن إشكاب قال نبأنا أبو غسان مالك بن
إسماعيل قال نبأنا عمار بن سيف الضبي عن عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي عن جرير
قال: كنا معه بقطربل فقال: ما هذه قال: قطربل قال: فضرب بطن فرسه حتى وقف خارجاً
منها ثم قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " تبنى مدينة بين دجلة
ودجيل والصراة وقطربل يجبى إليها خزائن الأرض وجبابرتها يخسف بأهلها فلهي أسرع
هوياً في الأرض من وتد الحديد في الأرض الرخوة " .
قال عمار: سمعته يحدث به رجلاً قال أبو غسان: فقلت له: أبا سفيان؟ فقال: قد أخذ علي
أن لا أسميه ولم يقل لي قال عمار: فشككت في بعضه فقومني فيه وقد حفظت إسناده من
عاصم والحديث إلا الشيء.
أنبأنا محمد بن أحمد بن رزق قال نبأنا القاضي أبو بكر محمد بن عمر بن محمد الجعابي
قال نبأنا عبد الله بن محمد بن ناجية قال نبأنا أبو أمية محمد بن إبراهيم قال نبأنا
أحمد بن يعقوب المسعودي قال قلت لعمار بن سيف: سمعت هذا الحديث من عاصم؟ قال: لا
قلت: من حدثك عن عاصم قال: رجل ثقة كأنك تسمعه منه يعني حديث جرير تبنى مدينة.
قال الشيخ أبو بكر: هذا خلاف الحديث الذي بدأنا به لأن عماراً ذكر في تلك الرواية
أنه حضر الثوري يسأل عاصماً عنه وفي هذه الرواية أنكر أن يكون سمعه من عاصم والله
أعلم.
وقد روى هذا الحديث عن عاصم سيف بن محمد ابن أخت سفيان الثوري وهو أخو عمار بن محمد
ومحمد بن جابر اليمامي وأبو شهاب الحناط وروى عن سفيان الثوري عن عاصم.
فأما حديث سيف: فأخبرناه عبيد الله بن أحمد بن محمد الحربي القزاز قال نبأنا أحمد
بن سلمان الفقيه قال ثنا إدريس بن عبد الكريم قال نبأنا أبو إبراهيم الترجماني.
(1/12)
وأخبرنا علي بن أبي علي قال أنبأنا طلحة بن محمد بن جعفر المعدل قال نبأنا عبد الله
بن محمد بن عبد العزيز البغوي وعمر بن إسماعيل بن أبي غيلان قالا: نبأنا إسماعيل بن
إبراهيم الترجماني قال نبأنا سيف بن محمد عن عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي قال:
كنت مع جرير بن عبد الله بقطربل فقال: ما اسم هذه القرية؟ قال قلت: قطربل قال: ثم
أومأ إلى الدجيل قال قلت: دجيل قال: ثم أومأ إلى دجلة قال قلت: دجلة قال: ثم أومأ
إلى الصراة قال قلت: ذاك يسمى الصراة. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: " تبنى مدينة بين دجلة ودجيل وقطربل والصراة يجبى إليها بخزائن الأرض وكنوز
الأرض وجبابرتها تخسف بأهلها فلهي أسرع ذهاباً في الأرض من الوتد الحديد في الأرض
الرخوة " لفظ حديث إدريس.
وأما حديث محمد بن جابر فأخبرنيه أبو الحسن علي بن حمزة بن أحمد المؤذن بجامع
البصرة قال نبأنا أبو القاسم عمر بن محمد بن سيف قال نبأنا عمر بن الحسين الحلبي
القاضي قال نبأنا محمد بن سليمان لوين قال نبأنا محمد بن جابر عن عاصم عن أبي عثمان
عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تبنى مدينة بين دجلة
والدجيل وقطربل والصراة يجبى إليها خراج أهل الأرض هي أسرع خسفاً من السكة في الأرض
الخوارة " .
وأما حديث أبي شهاب فأخبرناه الحسن بن أحمد بن إبراهيم قال أنبأنا محمد بن أحمد بن
علي بن مخلد الجوهري قال نبأنا أحمد بن موسى الشطوي قال نبأنا الحسن بن الربيع قال
نبأنا أبو شهاب عن عاصم عن أبي عثمان عن جرير يرفعه قال: " تبنى مدينة بين دجلة
ودجيل وقطربل والصراة لأهلها أسرع هلاكاً في الأرض من السكة الحديد في الأرض الرخوة
" .
وأما حديث سفيان الثوري فأخبرناه أبو القاسم إبراهيم بن عبد الواحد بن الخباب
الدلال والحسن بن أبي بكر قالا: أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم
الشافعي قال نبأنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثنا يحيى بن معين قال حدثنا يحيى
بن أبي بكير قال نبأنا عمار بن سيف قال نبأنا سفيان الثوري عن عاصم عن أبي عثمان عن
جرير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تبنى مدينة بين دجلة ودجيل والصراة
وقطربل يجتمع فيها خزائن الأرض يخسف بها فلهي أسرع ذهاباً في الأرض من الحديد أو
الحديدة في الأرض الرخوة " .
أخبرنا أحمد بن محمد بن غالب أبو بكر الخوارزمي البرقاني قال أنبأنا أبو بكر أحمد
بن إبراهيم الإسماعيلي قال أخبرني الحسن بن سفيان وحدثنا عمران بن موسى قالا: نبأنا
محمد بن الحسن الأعين أبو بكر قال نبأنا يحيى بن معين قال نبأنا يحيى بن أبي بكير
عن عمار بن سيف عن سفيان الثوري عن عاصم عن أبي عثمان عن جرير قال قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: " يكون خسف بين دجلة ودجيل وقطربل والصراة بأمراء جبابرة يخسف
الله بهم الأرض ولهي أسرع بهم هوياً من الوتد اليابس في الأرض الرطبة " .
أخبرنا علي بن محمد بن عيسى بن موسى البزار قال أنبأنا علي بن محمد بن أحمد المصري
قال نبأنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق قال سمعت إبراهيم بن سعيد الجوهري يقول نبأنا
إسماعيل بن أبان قال نبأنا سفيان الثوري عن عاصم الأحول عن أبي عثمان عن جرير عن
النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
قال أحمد بن عمرو: ولا أعلم روى أبو عثمان عن جرير غير هذا.
حدثني الحسن بن أبي طالب قال نبأنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن الحسن قال نبأنا
صالح بن أبي مقاتل الحافظ قال نبأنا محمد بن إشكاب قال نبأنا عبد العزيز بن أبان
قال نبأنا سفيان عن عاصم الأحول عن أبي عثمان عن جرير بن عبد الله قال قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: " تبنى مدينة بين دجلة والدجيل لهي أسرع خراباً من السكة
في الأرض الرخوة " .
(1/13)
أخبرني أبو الفرج الحسين بن علي الطناجيري قال أنبأنا عمر بن أبي الطيب الوراق قال
نبأنا علي بن أحمد بن نوح التستري قال نبأنا عمران بن عبد الرحمن شاذان قال نبأنا
إسماعيل بن نجيح قال أنبأنا سفيان الثوري عن عاصم عن أبي عثمان قال: كنت مع جرير
بالتل والتلول فقال: أين الدجلة؟ فقلت: هذه فقال: أين الدجيل؟ فقلت: هذه فقال: أين
قطربل؟ قال قلت: هذه فقال لي: النجا النجا ارتحل ارتحل فإني سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول: " تبنى مدينة بين دجلة ودجيل وقطربل والصراة يجبى إليها خزائن
الأرض لهي أشد خراباً من المرود في الأرض الرخوة " .
أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال أنبأنا عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم البغوي قال نبأنا
عمر بن إبراهيم أبو بكر الحافظ قال نبأنا محمد بن عثمان بن مخلد الواسطي قال نبأنا
أبو سفيان عبيد الله بن سفيان الغداني قال نبأنا سفيان عن عاصم الأحول عن أبي عثمان
النهدي عن جرير بن عبد الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " تبنى
مدينة بين نهر يقال له دجلة ونهر يقال له دجيل ونهر يقال له الصراة يجتمع فيها ملوك
أهل الأرض وخزائن أهل الأرض لهي أشد رسوخاً في الأرض من السكة الحديد " .
أخبرني أبو الحسين محمد بن أبي علي الأصبهاني قال نبأنا محمد بن إسحاق القاضي وعلي
بن محمد بن سعيد الأهوازيان قالا: نبأنا أبو الحسن أحمد بن الحسن القرشي قال نبأنا
أحمد بن محمد بن عمر بن يونس قال قلت لعبد الرزاق: أحدثك سفيان الثوري هذا الحديث؟
قال: نعم: عن عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي قال نزل جرير بن عبد الله البجلي
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قطربل فقال: أي نهر هذا؟ قالوا: دجلة ودجيل قال:
ها هنا نهر سوى هذا؟ قالوا: نعم نهر يقال له الصراة أسفل منه بفرسخ فقال: الرحيل
الرحيل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " تبنى مدينة بين نهرين يقال لهما
دجلة ودجيل والآخر يقال له الصراة يجتمع فيها جبابرة الأرض وملوك الأرض وكنوز الأرض
لهي بهم أسرع رسوخاً في الأرض من سكة حديد " .
فقال عبد الرزاق لعمر: من حدثك هذا عني؟ فقلت: أحمد بن داود قال: نعم ما حدثت به
غيره ولا أحدث به غيرك.
أخبرنا أبو الحسن علي بن يحيى بن جعفر بن عبد كويه الإمام بأصبهان قال نبأنا سليمان
بن أحمد بن أيوب الطبراني قال نبأنا علان بن عبد الصمد الطيالسي قال نبأنا أحمد بن
مطهر المصيصي قال نبأنا صالح بن بيان الثقفي.
قال الطبراني وحدثنا إبراهيم بن محمد التستري الدستوائي قال نبأنا سليمان بن الربيع
النهدي قال نبأنا همام بن مسلم قال نبأنا سفيان عن أبي عبيدة.
وحدثني الحسن بن أبي طالب واللفظ له قال نبأنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم قال نبأنا
جعفر بن أحمد بن يحيى المروزي المؤذن قال نبأنا سليمان بن الربيع قال نبأنا همام بن
مسلم قال سمعت سفيان قال نبأنا أبو عبيدة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: " تبنى مدينة بين دجلة ودجيل لهي أسرع ذهاباً في الأرض من وتد
الحديد في الأرض الرخوة " .
أبو عبيدة هو حميد الطويل: وهذا الإسناد ليس بمحفوظ وصالح بن بيان ضعيف وهمام بن
مسلم مجهول والمحفوظ حديث عاصم الأحول عن أبي عثمان عن جرير.
ونحن ذاكرون ما انتهى إلينا من علله إن شاء الله.
ذكر علل هذا الحديث:
أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل إجازة قال نبأنا محمد بن أحمد بن الحسن ثم
أخبرنا عبيد الله بن عمر الواعظ قراءة قال نبأنا أبي قال نبأنا عبد الله بن سليمان
قالا: نبأنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سئل أبي عن حديث جرير " تبنى مدينة "
فقال: ما حدث به إنسان ثقة.
أخبرنا الحسن بن علي الجوهري قال أنبأنا محمد بن العباس الخزاز قال نبأنا أبو الطيب
محمد بن القاسم الكوكبي قال نبأنا إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد قال سمعت يحيى بن
معين يقول قال لي يحيى بن آدم: حديث عاصم عن أبي عثمان عن جرير ما رواه أحد إلا
عمار بن سيف ثم قال يحيى بن معين: ومنهم من يرويه عنه عن سفيان عن عاصم ومنهم من
يرويه عنه عن عاصم وليس للحديث أصل.
أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب الفقيه قال سمعت أبا الحسن الدارقطني يقول:
عمار بن سيف الضبي كوفي متروك.
(1/14)
أخبرنا أحمد بن أبي جعفر القطيعي قال نبأنا يوسف بن أحمد الصيدلاني بمكة قال نبأنا
محمد بن عمرو العقيلي قال نبأنا علي بن عبد العزيز قال: ذكرت لأحمد يعني ابن منيع
حديث عاصم عن أبي عثمان عن جرير تبنى مدينة ففارقني ثم رجع إلي فقال: ذهبت إلى أحمد
بن حنبل فأخبرته به فقال لي: يا أبا جعفر ليس لهذا الحديث أصل.
أخبرنا محمد بن علي الوراق وأحمد بن علي المحتسب قالا: أنبأنا محمد بن جعفر التميمي
قال نبأنا الحسن بن محمد السكوني قال نبأنا القاضي أبو بكر محمد بن خلف بن حيان
وكيع وذكر حديث عمار بن سيف فقال: قال المخرمي يعني محمد بن عبد الله سمعت: يحيى بن
معين يقول: ما أصاب عمار هذا الحديث إلا على ظهر كتاب.
أنبأنا أبو عبد الله أحمد بن محمد الكاتب قال أنبأنا محمد بن حميد المخرمي قال
نبأنا علي بن الحسين بن حيان قال: وجدت في كتاب أبي بخط يده قال أبو زكريا يعني
يحيى بن معين: عبد العزيز بن أبان كذاب خبيث قلت له: بأي شيء استدللت على كذبه؟
قال: حدث عن سفيان عن عاصم عن أبي عثمان عن جرير في دجلة ودجيل فقلت له: فقد حدث به
عمار بن سيف عن سفيان قال: عمار كان رجلاً مغفلاً لا يدري من سفيان سمعه أو من
عاصم؟ كذا قال يحيى بن آدم.
قال الشيخ أبو بكر: هذا الكلام على عمار بن سيف في روايته هذا الحديث.
وأما سيف بن محمد فأخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر قال
أنبأنا محمد بن العباس الخزاز قال أنبأنا أحمد بن سعيد السوسي قال نبأنا عباس بن
محمد قال سمعت يحيى بن معين يقول سيف بن محمد ابن أخت سفيان الثوري ضعيف.
وأنبأنا محمد بن أحمد بن رزق قال أنبأنا محمد بن أحمد بن الحسن قال نبأنا عبد الله
بن أحمد قال سمعت أبي يقول: لا يكتب حديث سيف بن محمد ابن أخت سفيان الثوري ليس سيف
بشيء وقال أبي: كان سيف يضع الحديث.
أخبرنا أبو القاسم الأزهري قال أنبأنا أحمد بن محمد بن موسى القرشي وأخبرنا الحسن
بن علي الجوهري قال أنبأنا محمد بن العباس قالا: أنبأنا أحمد بن جعفر أبو الحسين
قال نبأنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: ذكر أبي حديث عبد الرحمن بن محمد المحاربي
عن عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي عن جرير بن عبد الله البجلي عن النبي صلى الله
عليه وسلم: " تبنى مدينة بين دجلة ودجيل والصراة وقطربل يجبى إليها كنوز الأرض
ويجتمع إليها كل إنسان فلهي أسرع ذهاباً في الأرض من الحديدة المحماة في الأرض
الخوارة " . فقال: كان المحاربي جليساً لسيف بن محمد ابن أخت سفيان الثوري وكان سيف
كذاباً فأظن المحاربي سمعه منه.
قال عبد الله: فقيل لأبي: فإن عبد العزيز بن أبان رواه عن سفيان الثوري عن عاصم
الأحول فقال أبي: كل من حدث هذا الحديث عن سفيان الثوري فهو كذاب قال عبد الله فقلت
له: إن لوينا حدثناه عن محمد بن جابر الحنفي فقال: كان محمد بن جابر ربما ألحق في
كتابه الحديث ثم قال أبي: إن هذا الحديث ليس بصحيح أو قال: كذب.
قال أبو الحسين أحمد بن جعفر: وقد رواه عمار بن سيف الضبي عن سفيان الثوري ورواه عن
عمار جماعة نفر منهم يحيى بن بكير الكرماني وإسحاق بن بشر الكاهلي وقد رواه عن يحيى
بن أبي بكير: يحيى بن معين إلا أنه لم يروه على أنه صحيح وإنما رواه على المذاكرة
ثم عرف محله من الوهي فقال: ليس بشيء هكذا حدثنا محمد بن إسحاق الصاغاني عن يحيى بن
معين. قال الشيخ أبو بكر: وقد بين أبو عبد الله أحمد بن حنبل علة رواية محمد بن
جابر عن عاصم هذا الحديث.
وأما أبو شهاب الحناط فقد كان صدوقاً: إلا أن يحيى بن سعيد القطان لم يكن يرضى أمره
وكان يقول لم يكن بالحافظ وأحسب أنه وقع إليه حديث عاصم من جهة عمار بن سيف أو سيف
بن محمد أو محمد بن جابر فرواه عن عاصم مرسلاً لأن الحسن بن الربيع لم يذكر عنه
الخبر فيه والله أعلم.
(1/15)
وممن
رواه عن الثوري وأوردنا حديثه عنه إسماعيل بن أبان وهو أبو إسحاق الغنوي وله روايات
عن هشام بن عروة وعبد الملك بن جريج وقد ذكره محمد بن إسماعيل البخاري فقال ما:
أخبرنا أبو الحسين محمد بن الحسين بن محمد بن الفضل القطان قال أنبأنا علي بن
إبراهيم المستملي قال أخبرني محمد بن إبراهيم بن شعيب الغازي قال سمعت محمد بن
إسماعيل البخاري يقول: إسماعيل بن أبان متروك هو أبو إسحاق الكوفي قال الشيخ أبو
بكر وفي رواة الكوفيين أيضاً إسماعيل بن أبان آخر.
إلا أنه أزدي وهو دون الغنوي في الطبقة يروي عن أبي أويس وجندل بن علي وكان ثقة حدث
عنه البخاري في كتابه الصحيح وأما عبد العزيز بن أبان فقد ذكرنا كلام أحمد بن حنبل
فيه وأخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن محمد بن إبراهيم الأشناني بنيسابور قال سمعت
أبا الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس الطوائفي يقول سمعت عثمان بن سعيد الدارمي يقول
سمعت يحيى بن معين يقول: عبد العزيز بن أبان القرشي ليس بثقة قيل: من أين جاء ضعفه؟
قال: كان يأخذ حديث الناس فيرويه.
وإسماعيل بن نجيح هو إسماعيل بن عمرو بن نجيح البجلي نسب في الرواية إلى جده وهو
صاحب غرائب ومناكير عن سفيان الثوري وعن غيره أخبرني أحمد بن عبد الواحد الوكيل قال
أنبأنا أحمد بن الفرج الوراق قال نبأنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد قال:
إسماعيل بن عمرو ضعيف ذاهب.
وأما عبيد الله بن سفيان أبو سفيان الغداني فإنه بصري يعرف بابن رواحة وقد ذكره
يحيى بن معين.
أخبرني أبو بكر البرقاني قال حدثني محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الملك الآدمي قال
نبأنا محمد بن علي الأيادي قال نبأنا زكريا بن يحيى الساجي قال أبو سفيان الصواف
كان يقال له ابن رواحة عن ابن عون هو بصري قدم بغداد فحدثهم ما سمعت أحداً من
مشايخنا بالبصرة حدث عنه قال يحيى بن معين: أبو سفيان الصواف كذاب.
وأما حديث عبد الرزاق بن همام عن الثوري قال: رواية أحمد بن محمد بن عمر اليمامي
تفرد بروايته عن عبد الرزاق وليس بمحل الحجة.
أخبرنا أبو سعيد الماليني فيما أذن لنا أن نرويه عنه قال أنبأنا عبد الله بن عدي
الحافظ قال: أحمد ابن محمد بن عمر اليمامي حدث بأحاديث مناكير عن ثقات وحدث بنسخ
وعجائب.
أخبرني إسحاق بن إبراهيم قال: ذكرت اليمامي هذا لعبيد الكشوري فقال: هو فينا
كالواقدي فيكم. قال الشيخ أبو بكر: والواقدي عند أئمة أهل النقل ذاهب الحديث.
بقية الأخبار التابعة لحديث أبي عثمان عن جرير لكونها في معناه:
حدثنا أبو بكر البرقاني من كتابه قال قرئ على الحسين بن علي التميمي وأنا أسمع
حدثكم زنجويه بن محمد اللباد قال نبأنا سهل بن محمد بن يعيش الختلي العسكري أبو
السري قال نبأنا عمر ابن يحيى قال نبأنا سفيان عن قيس بن مسلم عن ربعي بن خراش عن
حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تكون وقعة بين زوراء " قالوا: وما
الزوراء يا رسول الله؟ قال: " مدينة بين أنهار في أرض جوخي يسكنها جبابرة أمتي تعذب
بأربعة أصناف: بخسف ومسخ وقذف " قال البرقاني: ولم يذكر الرابع.
أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال أنبأنا شجاع بن جعفر الأنصاري قال نبأنا محمد بن زكريا
الغلابي قال نبأنا محمد بن عبد الرحمن بن القاسم التيمي قال نبأنا أبي عن يحيى بن
عبد الله بن حسن عن أبيه عن حسن بن حسن عن محمد بن الحنفية.
قال وحدثني عثمان بن عمران العجيفي عن نايل ابن نجيح عن عمرو بن شمر عن أبي حرب بن
أبي الأسود الدؤلي عن أبيه قالا: قال علي بن أبي طالب: سمعت حبيبي محمداً صلى الله
عليه وسلم يقول: " سيكون لبني عمي مدينة من قبل المشرق بين دجلة ودجيل وقطربل
والصراة يشيد فيها بالخشب والأجر والجص والذهب يسكنها شرار خلق الله وجبابرة أمتي
أما إن هلاكها على يد السفياني كأني بها والله قد صارت خاوية على عروشها " .
أخبرنا أبو القاسم الأزهري قال أنبأنا أحمد بن محمد بن موسى.
(1/16)
وأخبرنا الحسن بن علي الجوهري قال أنبأنا محمد بن العباس قال أنبأنا أحمد بن جعفر
بن المنادي قال: ذكر في إسناد شديد الضعف عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق الشيباني عن
أبي قيس عن علي بن أبي طالب أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " تكون
مدينة بين الفرات ودجلة يكون فيها ملك بني العباس وهي الزوراء يكون فيها حرب مقطعة
يسبى فيها النساء ويذبح فيها الرجال كما تذبح الغنم " . قال أبو قيس فقيل لعلي: يا
أمير المؤمنين لم سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم الزوراء قال: " لأن الحرب
تدور في جوانبها حتى تطبقها " . أخبرنا أبو نعيم الحافظ قال نبأنا سليمان بن أحمد
بن أيوب الطبراني قال نبأنا عبد الرحمن بن حاتم أبو زيد المرادي قال نبأنا نعيم بن
حماد قال نبأنا أبو عمر صاحب لنا من أهل البصرة عن ابن لهيعة عن الوهاب بن حسين عن
محمد بن ثابت عن أبيه عن الحارث عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "
إذا عبر السفياني الفرات وبلغ موضعاً يقال له عاقرقوفا محا الله الإيمان من قلبه
فيقتل بها إلى نهر يقال له الدجيل سبعين ألفاً متقلدين سيوفاً محلاة وما سواهم أكثر
منهم فيظهرون على بيت الذهب فيقتلون المقاتلة والأبطال ويبقرون بطون النساء يقولون
لعلها حبلى بغلام وتستغيث نسوة من قريش على شاطئ دجلة إلى المارة من أهل السفن
يطلبن إليهم أن يحملوهن حتى يلقوهن إلى الناس فلا يحملوهن بغضاً ببني هاشم فلا
تبغضوا بني هاشم فإن منهم نبي الرحمة ومنهم الطيار في الجنة فأما النساء فإذا جنهن
الليل أوين إلى أغورها مكاناً مخافة الفساق ثم يأتيهم المدد من البصرة حتى يستنقذوا
ما مع السفياني من الذراري والنساء من بغداد والكوفة " .
أخبرنا أبو القاسم علي بن محمد بن عيسى البزار قال أنبأنا علي بن محمد بن أحمد
المصري قال نبأنا عبد الملك بن يحيى بن عبد الله بن بكير أبو الوليد قال نبأنا أبو
يحيى بن عبد الله بن بكير قال: حدثني الهقل بن زياد قال حدثني الأوزاعي قال حدث أبو
أسماء الرحبي أنه سمع ثوبان يحدث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يخرج
السفياني حتى ينزل دمشق فيبعث جيشين جيشاً إلى المدينة خمسة عشر ألفاً ينتهبون
المدينة ثلاثة أيام ولياليهن ثم يسيرون متوجهين إلى مكة " وذكر الحديث وقال: " ثم
يسير جيشه الآخر في ثلاثين ألفاً وعليهم رجل من كلل حتى يأتوا بغداد فيقتلون بها
ثلاثمائة كبش من ولد العباس ويبقرون بها ثلاثمائة امرأة " قال ثوبان: فسمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول: " وذلك بما قدمت أيديهم وما الله بظلام للعبيد
فيقتلون ببغداد أكثر من خمسمائة ألف " وذكر حديثاً في الملاحم طويلاً كتبنا منه
هذا.
أخبرنا أبو نعيم الحافظ قال نبأنا سليمان بن أحمد الطبراني قال نبأنا أبو زيد عبد
الرحمن بن حاتم المرادي قال نبأنا نعيم بن حماد قال نبأنا عبد القدوس يعني ابن
الحجاج عن أرطأة بن المنذر عمن حدثه عن ابن عباس أنه أتاه رجل وعنده حذيفة فقال: يا
ابن عباس قول الله تعالى: " حم عسق " ؟ فأطرق ساعة وأعرض عنه ثم كررها فلم يجبه
بشيء فقال حذيفة: أنا أنبئك قد عرفت لم كرهها إنما أنزلت في رجل من أهل بيته يقال
له عبد الإله أو عبد الله ينزل على نهر من أنهار المشرق يبنى عليه مدينتان يشق
النهر بينهما شقاً يجتمع فيهما كل جبار عنيد. قال أرطأة عن كعب: إذا بنيت مدينة على
شاطئ الفرات ثم أتتكم القواصل والقواسم وإذا بنيت مدينة بين النهرين بأرض منقطعة من
أرض العراق أتتكم الدهيماء.
(1/17)
وأخبرنا أبو نعيم قال نبأنا أبو القاسم الطبراني قال نبأنا أبو زيد عبد الرحمن بن
حاتم قال نبأنا نعيم بن حماد قال نبأنا نوح بن أبي مريم عن مقاتل بن سليمان عن عطاء
عن عبيد بن عمير عن حذيفة أنه سئل عن: " حم عسق " وعمر وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب
وابن عباس وعدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حضور فقال حذيفة: العين عذاب
والسين السنة والمجاعة والقاف قوم يقذفون في آخر الزمان فقال له عمر: ممن هم؟ قال:
من ولد العباس في مدينة يقال لها الزوراء ويقتل فيها مقتلة عظيمة وعليهم تقوم
الساعة. قال ابن عباس: ليس ذلك فينا ولكن القاف قذف وخسف يكون قال عمر لحذيفة: أما
أنت فقد أصبت التفسير وأصاب ابن عباس المعنى فأصابت ابن عباس الحمى حتى عادت عمر
وعدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مما سمع من حذيفة.
أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال أنبأنا أبو سهل أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد
القطان قال نبأنا محمد بن غالب قال نبأنا غسان بن المفضل قال نبأنا آدم بن عيينة
أخو سفيان بن عيينة قال أخبرني سفيان بن عيينة قال: رآني قيس بن الربيع علي قنطرة
الصراة فقال: النجا النجا فإنا كنا نتحدث أن هذا المكان الذي يخسف به قال سفيان:
ورآني أبو بكر الهذلي ببغداد فقال: بأي ذنب دخلت بغداد؟.
أخبرنا محمد بن علي الوراق وأحمد بن علي المحتسب قالا: أنبأنا محمد بن جعفر التميمي
قال نبأنا الحسن بن محمد السكوني قال نبأنا محمد بن خلف قال حدثني محمد بن الحسين
الوادعي قال نبأنا صدقة بن سبرة أبو وعلة المرهبي في بني مرهبة قال نبأنا الوليد بن
أبي ثور عن سماك بن حرب: أنه بعثه ابن هبيرة إلى أهل بغداد وهي خربة قبل أن تكون
فنزل علي موضع يقال له العقر وعنده قوم من أهل بغداد فجاء رجل حتى وقف علي فرس له
علي دجلة من ذلك الجانب فأقحم فرسه الماء فشق الماء شقاً حتى وقف على العقر فقال:
لعنك الله من قرية ما أجمعك لخبيث البلدان! وأجمعك للمال الحرام! وأسفكك للدم
الحرام ثم إنه غاب بفرسه فذهب في الأرض.
قال سماك: والهفتاه ألا سألته أي قرية هي؟ ثم انصرف سماك إلى ابن هبيرة فأخبره ثم
عاد من قابل فجاء ذلك الرجل حتى قال ذلك القول ثم غاب في الماء فذهب حتى إذا كانت
الثالثة رجع الرجل فصنع صنيعه الأول فوثب إليه سماك حتى تعلق بدابته فقال: يا عبد
الله أي قرية هذه؟ قال: بغداد أما أنه سيصيبها خسف ومسخ فخرج سماك عنها وما يري إلا
أنه سيصيبه بعض ما قال الرجل.
قال الشيخ الإمام أبو بكر: وكل هذه الأحاديث التي ذكرناها واهية الأسانيد عند أهل
العلم والمعرفة بالنقل لا يثبت بأمثالها حجة وأما متونها فإنها غير محفوظة إلا عن
هذه الطرق الفاسدة وأمرها إلى الله العالم بها لا معقب لأمره ولا راد لحكمه يفعل ما
يشاء ويحكم ما يريد.
قرأت على محمد بن الحسين القطان عن دعلج بن أحمد السجستاني قال أنبأنا أحمد بن علي
الأبار ثم أخبرنا أبو القاسم الأزهري قال أنبأنا أحمد بن محمد بن موسى.
وأخبرنا الحسن بن علي الجوهري قال أنبأنا محمد بن العباس قال أنبأنا أبو الحسين
أحمد بن جعفر بن المنادي قال حدثني هارون بن علي بن الحكم المزوق.
قال الأبار: نبأنا إبراهيم بن سعيد قال نبأنا خضر بن اليسع البصري قال قيل لأبي
يعقوب الإسرائيلي وقال هارون نبأنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال نبأنا خضر بن اليسع
البصري عن مسعدة بن اليسع عن أبي يعقوب الإسرائيلي وكان قد قرأ الكتب أنه قيل له:
ما بال بغداد لا تكاد ترى فيها إلا مستعجلاً؟ فقال: لأنها قطعة من بابل فهي تبلبل
بأهلها واللفظ لحديث هارون قال أبو الحسين بن المنادي فنظرنا ما في كلام هذا
الإسرائيلي فإذا هو كلام لا يصح في المعتبر وذلك لأن الناس في سائر البلدان يبادرون
في حوائجهم غدواً ويبادرون الانقلاب إلى أهليهم رواحاً لأن طرفي النهار يوجبان ذلك
ضرورة فبابل كغيرها من البلدان الآهلة بلا فرق.
أخبرنا أبو سعد أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن حفص بن الخليل الماليني قراءة
عليه قال أنبأنا عبد الله بن عدي الحافظ قال سمعت محمد بن نوح الجنديسابوري بمصر
يقول سمعت محمد ابن عثمان العبسي يقول سمعت يحيي بن معين يقول: ما رأيت الكذب أنفق
منه ببغداد.
(1/18)
قال
الشيخ أبو بكر: إنما قال يحيي هذا القول تنبيهاً على أن البغداديين أرغب الناس في
طلب الحديث وأشدهم حرصاً عليه وأكثرهم كتباً له وليس يعيب طالب الحديث أن يكتب عن
الضعفاء والمطعون فيهم فإن الحفاظ ما زالوا يكتبون الروايات الضعيفة والأحاديث
المقلوبة والأسانيد المركبة لينقروا عن واضعيها ويبينوا حال من أخطأ فيها وقد حفظ
عن يحيي بن معين كلام في نحو هذا المعنى من ذلك: ما حدثني به الحسن بن أبي طالب قال
أنبأنا محمد بن عبد الله بن المطلب الشيباني قال حدثني أبو ذر محمد بن يوسف بن عبيد
الفقيه بورثان قال حدثني العباس بن محمد بن حاتم قال: قال يحيي بن معين: إذا كتبت
فقمش وإذا حدثت ففتش.
وأخبرنا أبو سعد الماليني قال أنبأنا أبو أحمد بن عدي الحافظ قال نبأنا محمد بن
أحمد بن خالد بن يزيد قال نبأنا عصام بن داود قال سمعت يحيي بن معين يقول: وأي صاحب
حديث لا يكتب عن كذاب ألف حديث؟.
أخبرني أبو الحسين محمد بن بكر بن عثمان البصري وحدثني نصر بن إبراهيم الفقيه ببيت
المقدس عنه أنبأنا أحمد بن محمد بن عبد الله بن زريق المخزومي نبأنا الحسن بن رشيق
نبأنا أحمد ابن محمد بن حكيم الصدفي قال سمعت الحسن بن عرفة يقول: من لم يوثقه أهل
بغداد فقد سقط هم جهابذة العلم.
قال الشيخ: وأهل بغداد موصوفون بحسن المعرفة والتثبت في أخذ الحديث وآدابه وشدة
الورع في روايته اشتهر ذلك عنهم وعرفوا به حتى قال إسماعيل بن علية فيما: أخبرنا
أبو سعيد الحسن بن محمد بن حسنويه الأصبهاني بها قال نبأنا القاضي أبو بكر محمد بن
عمر بن سالم الحافظ قال حدثني عبد الله بن محمد بن سعيد بن زياد قال نبأنا زياد بن
أيوب قال سمعت ابن علية يقول: ما رأيت أحسن رغبة في طلب الحديث من أهل بغداد؟ وقال
ابن عيينة: فيما أخبرنا أبو سعيد الماليني قال أنبأنا عبد الله بن عدي الحافظ قال
نبأنا محمد ابن سعيد الحراني قال نبأنا محمد بن علي بن ميمون قال سمعت أبي يقول:
سمعت سفيان بن عيينة يقول: شبان البغداديين أورع أو خير من شبان من البصرة والكوفة.
وهذا قاله سفيان مع صحة رواية البصريين الذين ما زالوا بالتحفظ والورع معروفين وأما
أهل الكوفة وأهل خراسان أيضاً فلهم من الأحاديث الموضوعة والأسانيد المصنوعة نسخ
كثيرة وقل ما يوجد بحمد الله في محدثي البغداديين ما يوجد في غيرهم من الاشتهار
بوضع الحديث والكذب في الرواية اختصاصاً لهم وتوفيقاً من الله الكريم ذلك فضل الله
يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
باب
المحفوظ من مناقب بغداد وفضلها
وذكر المأثور من محاسن أخلاق أهلها:
قال أخبرنا أبو طالب عمر بن إبراهيم بن سعيد الفقيه وأبو محمد الحسن بن علي محمد
الجوهري قالا: نبأنا محمد بن العباس الخزاز قال نبأنا أبو بكر الصولي قال أخبرنا
سيدنا الشريف الأجل السيد الخطيب مستخص الدولة ونسيبها ذو الشرفين أبي الحسين
إبراهيم بن العباس الحسيني رضي الله عنه وأرضاه وأخبرنا الأستاذ أبو الفضائل الحسن
بن الحسن بن أحمد الكلابي رضي الله عنه قراءة عليه وأنا أسمع في يوم الخميس التاسع
من شوال سنة أربع وخمسمائة بدمشق قالا: حدثنا الشيخ الحافظ الإمام الأوحد الثقة
السيد أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي رضي الله عنه وأرضاه بقراءته
علينا من كتابه ونحن نسمع.
نا أبو خليفة قال نبأنا محمد بن سلام قال سمعت أبا الوليد يقول: قال لي شعبة: أدخلت
بغداد؟ قلت: لا قال: فكأنك لم تر الدنيا.
حدثني عبد العزيز بن علي الوراق قال سمعت محمد بن أحمد بن يعقوب الجرجرائي يقول
سمعت أحمد بن يوسف بن موسى يقول سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول قال لي محمد بن
إدريس: يا يونس دخلت بغداد؟ قلت: لا قال: يا يونس ما رأيت الدنيا ولا رأيت الناس.
أخبرنا أبو سعيد الحسن بن محمد بن عبد الله بن حسنويه الكاتب بأصبهان قال نبأنا
القاضي أبو بكر محمد بن عمر الحافظ قال حدثني أحمد بن عبد العزيز قال نبأنا عمر بن
شبة قال نبأنا عبد الواحد بن غياث قال: أرسل إلي سعيد بن سلم ببغداد فأتيته فقال
حدثني يزيد بن مزيد أنه كان يسامر الرشيد فقال له: يا أعرابي هل لك في هذه السكة
دار؟ قلت: لا قال: اتخذ فيها داراً فإنها سكة الدنيا.
(1/19)
بلغني عن أحمد بن أبي طاهر قال: قيل لرجل: كيف رأيت بغداد؟ قال: الأرض كلها بادية
وبغداد حاضرتها.
أخبرنا محمد بن علي بن محمد الوراق قال أنبأنا أحمد بن محمد بن عمران قال نبأنا عبد
الباقي ابن قانع قال نبأنا خلف بن عمرو العكبري قال: سمعت ابن عائشة يقول: ما رأيت
أحسن من تلطف أصحاب الحديث ببغداد للحديث.
أخبرنا عمر بن إبراهيم الفقيه والحسن بن علي الجوهري قالا: نبأنا محمد بن العباس
الخزاز قال نبأنا الصولي قال نبأنا أبو خليفة قال نبأنا محمد بن سلام قال سمعت ابن
علية يقول: ما رأيت قوماً أعقل في طلب الحديث من أهل بغداد.
قرأت علي محمد بن الحسين القطان عن دعلج بن أحمد قال نبأنا خلف بن عمرو العكبري قال
نبأنا محمد بن عبد المجيد قال نبأنا ابن علية قال: أخبرنا رضوان بن محمد بن الحسن
الدينوري قال نبأنا أبو عبد الله محمد بن علي بن أحمد بن مهدي بواسط قال نبأنا ابن
شوذب المقرئ قال نبأنا جعفر بن محمد بن عامر قال نبأ أحمد بن عبد الحميد قال سمعت
ابن علية يقول: ما رأيت قوماً أحسن رغبة ولا أعقل لطلب الحديث من أهل بغداد.
أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق البزار قال نبأنا أبو بكر محمد بن يوسف الصواف إملاء من
لفظة من كتابه قال نبأنا بكر بن أحمد التنيسي قال نبأنا محمد بن علي بن ميمون الرقي
قال سمعت أبي يقول: قال سمعت سفيان بن عيينة يقول: شباب البغداديين أحسن رغبة من
شباب البصريين والكوفيين.
أخبرنا عمر بن إبراهيم الفقيه والحسن بن علي الجوهري وعلي بن أبي علي المعدل قالوا:
نبأنا محمد بن العباس قال نبأنا الصولي قال نبأنا أبو ذكوان قال حدثني من سمع
الشافعي يقول ما دخلت بلداً قط إلا عددته سفراً إلا بغداد فإني حين دخلتها عددتها
وطناً.
أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين بن إبراهيم الخفاف قال نبأنا أبو الحسن علي بن أحمد
الصوفي الواسطي في مجلس ابن مالك القطيعي قال: سمعت أبا بكر بن مجاهد يقول: وأخبرنا
عبد العزيز بن علي الوراق قال نبأنا يوسف بن عمر القواس قال نبأ علي بن أحمد
الواسطي قال سمعت بن مجاهد المقرئ إمام الزمان قال رأيت أبا عمرو بن العلاء في
النوم فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال لي: دعني مما فعل الله بي من أقام ببغداد على
السنة والجماعة ومات نقل من جنة إلى جنة. أخبرنا علي بن محمد بن عيسى البزار فيما
أذن أن نرويه عنه قال نبأنا محمد بن عمر بن سالم القاضي قال سمعت عمر بن أيوب بن
مالك يقول سمعت أبا معمر الهذلي يقول: قلت لرجل من أهل الكوفة خير موضع بالكوفة أين
هو؟ قال: مسجد الجامع قلت: وسوء موضع عندنا دار البطيخ فلو قال رجل في خير موضع
عندكم رحم الله عثمان قتل ولو قال في سوء موضع عندنا لا رحم الله معاوية قتل فشر
موضع عندنا خير من خير موضع عندكم.
حدثنا أبو طالب يحيى بن علي بن الطيب الدسكري لفظاً بحلوان قال أنبأنا أبو بكر
المقرئ بأصبهان قال أنبأنا أحمد بن عبيد بن الأصبغ الحراني قال نبأنا بشر بن موسى
قال نبأنا سعيد بن منصور قال سمعت ابن المبارك يقول: من أراد الشهادة فليدخل دار
البطيخ بالكوفة وليقل: رحم الله عثمان بن عفان.
أخبرنا عمر بن إبراهيم الفقيه والحسن بن علي الجوهري وعلي بن أبي علي قالوا: نبأنا
محمد بن العباس قال نبأنا أبو بكر الصولي قال نبأنا القاسم بن إسماعيل قال نبأنا
أبو محلم قال سمعت أبا بكر بن عياش يقول: الإسلام ببغداد وإنها لصيادة تصيد الرجال
ومن لم يرها لم ير الدنيا.
قرأت في كتاب أبي الحسن الدارقطني بخطه أنبأنا الحسن بن رشيق قال نبأنا علي بن سعيد
بن بشير قال نبأنا عثمان بن أبي شيبة قال نبأنا أبو محمد نجاد قال سمعت أبا معاوية
ذكر بغداد فقال: هي دار دنيا وآخرة.
سمعت القاضي أبا القاسم علي بن المحسن التنوخي يقول: كان يقال من محاسن الإسلام يوم
الجمعة ببغداد وصلاة التراويح بمكة ويوم العيد بطرسوس.
قال الشيخ الإمام أبو بكر: من حضر الجمعة بمدينة السلام عظم الله في قلبه محل
الإسلام لأن شيوخنا كانوا يقولون يوم الجمعة ببغداد كيوم العيد في غيرها من البلاد.
(1/20)
وسمعت أبا الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران المعدل يقول حدثني من سمع أبا
بكر ابن الصلت يقول: كنت أصلي صلاة الجمعة في جامع المدينة فانقطعت عن ذلك جمعة
لعارض عرض لي فرأيت في تلك الليلة في المنام كأن قائلاً يقول لي: تركت الصلاة في
جامع المدينة وإنه ليصلي فيه كل جمعة سبعون ولياً لله عز وجل.
أنبأنا إبراهيم بن مخلد قال أنبأنا أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهر قال أخبرني
السعدي يعني علي بن أحمد عن عبد الله الرملي قال حدثني صديق لي عن صديق له من
الصالحين قال: أردت الانتقال من بغداد إلى بلد آخر فأريت في منامي أتنتقل من بلد
فيه عشرة آلاف ولياً لله عز وجل؟ قال: فجلست ولم أنتقل من بغداد.
أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عمر البرمكي قال أنبأنا أبو الفضل عبيد الله بن عبد
الرحمن الزهري قال قرأت في كتاب أبي حدثني أبو بكر بن حمزة قال كتب إلي صديق لي من
حلوان أني رأيت فيما يرى النائم كأن ملكين أتيا بغداد فقال أحدهما للآخر: اقلبها
فقد حق القول عليها فقال له الآخر: كيف أقلبها وقد ختم الليلة فيها خمسة آلاف
ختمة؟.
قال الشيخ وعلى
ذكر الجمعة ببغداد
حدثني أبو الحسين هلال بن المحسن بن إبراهيم بن هلال الكاتب قال حدثني وشاح مولى
القاضي أبي تمام الزينبي في مسجد جامع المنصور يوم الجمعة وقد تجارينا ذكر من دخل
المقصورة وقلة عددهم فيما عهد قديماً منهم: أن القاضي أبا تمام كان يصلي في أيام
الجمع على باب داره الراكبة لدجلة بباب خراسان والصفوف مادة من المسجد إلى ذلك
المكان والصلاة قائمة بمكبرين ينقلون التكبير عند الركوع والسجود والنهوض والقعود
قال: وقال لي وشاح أيضاً كان على أبواب المقصورة بوابون بثياب سواد يمنعون من دخول
أحد إليها إلا من كان من الخواص المتميزين بالأقبية السود وإنه حضر في يوم جمعة
بدراعة يتبع القاضي أبا تمام فرد حتى مضى ولبس القباء وكان هذا رسماً جارياً
مأخوذاً به في سائر مقاصير الجوامع وقد بطل الآن ذلك فليس يلبس السواد والقباء سوى
الخطيب والمؤذنين.
قال لي هلال بن المحسن وحدثني أبو الحسين محمد بن الحسن بن محفوظ قال كنت أمضي مع
والدي إلى المسجد الجامع بالمدينة لصلاة الجمعة فربما وصلنا إلى باب خراسان في دجلة
وقد ضاق الوقت وقامت الصلاة وامتدت الصفوف إلى الشاطئ فنصعد ونفرش إلى الشميزية
ونصلي.
قال هلال: وأذكر وأنا أحبو وذاك في أيام الملك عضد الدولة وقد حملني خادم كان
يلازمني ويحفظني في يوم جمعة لمشاهدة أناس في اجتماعهم وليصلي هو معهم فوقف عند
الباب الجديد من شارع الرصافة والصفوف ممتدة في المسجد الجامع بالرصافة إلى هذا
الموقع ومسافة ما بينهما كمسافة ما بين المسجد الجامع بالمدينة ودجلة.
قرأت على أبي بكر أحمد بن محمد بن أحمد ابن جعفر اليزدي بأصبهان عن أبي شيخ عبد
الله ابن محمد بن جعفر بن حبان قال حدثني أبو الحسن البغدادي قال قال إبراهيم بن
عبد الله جئت أنا وأبي إلى أبي عثمان الجاحظ في آخر عمره فقال: جئت إلى شق مائل
ولعاب سائل الأمصار عشرة فالصناعة بالبصرة والفصاحة بالكوفة والخير ببغداد والغدر
بالري والحسد بهراة والجفاء بنيسابور والبخل بمرو والطرمذة بسمرقند والمروءة ببلخ
والتجارة بمصر.
أخبرني القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي قال أخبرني أبي قال قال أبو القاسم
بزياش ابن الحسن الديلمي وهو شيخ لقيته ببغداد يتعلق بعلوم فصيح بالعربية سافرت
الآفاق ودخلت البلدان من حد سمرقند إلى القيروان ومن سرنديب إلى بلد الروم فما وجدت
بلداً أفضل ولا أطيب من بغداد قال: وكان سبكتكين حاجب معز الدولة المعروف بالحاجب
الكبير آنساً بي فقال لي يوماً: قد سافرت الأسفار الطويلة فأي بلد وجدت أطيب وأفضل؟
فقلت له: أيها الحاجب إذا خرجت من العراق فالدنيا كلها رستاق.
حدثني أبو القاسم عبيد الله بن علي الرقي وكان أحد الأدباء قال أخذ أبو العلاء
المعري وهو ببغداد يوماً يدي فغمزها ثم قال لي: يا أبا القاسم هذا بلد عظيم لا يأتي
عليك يوم وأنت به إلا رأيت فيه من أهل الفضل من لم تره فيما تقدم.
(1/21)
حدثني عبد العزيز بن علي قال سمعت علي بن عبد الله الهمداني بمكة يقول نبأنا علي بن
محمد الفاني الوراق قال حدثني أبو الحسين المالكي قال حدثني عبيد الله بن محمد
التميمي قال سمعت ذا النون يقول بمصر: من أراد أن يتعلم المروءة والظرف فعليه بسقاة
الماء ببغداد قيل له: وكيف ذاك؟ فقال: لما حملت إلى بغداد رمي بي على باب السلطان
مقيداً فمر بي رجل متزر بمنديل مصري معتم بمنديل ديبقي بيده كيزان خزف رقاق وزجاج
مخروط فسألت: هذا ساقي السلطان؟ فقيل لي: لا هذا ساقي العامة فأومأت إليه: اسقني
فتقدم وسقاني فشممت من الكوز رائحة مسك فقلت لمن معي: ادفع إليه ديناراً فأعطاه
الدينار فأبى وقال: ليس آخذ شيئاً فقلت له: ولم؟ فقال: أنت أسير وليس من المروءة أن
آخذ منك شيئاً فقلت: كمل الظرف في هذا.
أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان الدمشقي في كتابه إلينا قال: أنبأنا أبو
الميمون عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر البجلي قال نبأنا أبو زرعة عبد الرحمن بن
عمرو البصري قال نبأنا أبو مسهر قال نبأنا سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى
قال إذا كان علم الرجل حجازياً وخلقه عراقياً وطاعته شامية فقد كمل.
أخبرنا أبو القاسم الأزهري قال أنبأنا أحمد بن محمد بن موسى وأخبرنا الحسن بن علي
الجوهري قال أنبأنا محمد بن العباس قالا: قال أبو الحسين أحمد بن جعفر بن المنادي:
ثم إن بغداد سميت حين سكنت مدينة السلام فليس في الأرض مدينة على هذا الاسم غيرها
وكان بعض إخواننا إذا ذكرها يقرأ قول الله: " بلدة طيبة ورب غفور " .
قال أبو الحسين: هذا إلى تركنا ذكر أشياء كثيرة من مناقبها التي أفردها الله بها
دون سائر الدنيا شرقاً وغرباً وبين ذلك من الأخلاق الكريمة والسجايا المرضية
والمياه العذبة الغدقة والفواكه الكثيرة الدمثة والأحوال الجميلة والحذق في كل صنعة
والجمع لكل حاجة والأمن من ظهور البدع والاغتباط بكثرة العلماء والمتعلمين والفقهاء
والمتفقهين ورؤساء المتكلمين وسادة الحساب والنحوية ومجيدي الشعراء ورواة الأخبار
والأنساب وفنون الآداب وحضور كل طرفة واجتماع ثمار الأزمنة في زمن واحد لا يوجد ذلك
في بلد من مدن الدنيا إلا بها سيما زمن الخريف ثم إن ضاق مسكن بساكن وجد خيراً منه
وإن لاح له مكان أحب إليه من مكانه لم يتعذر عليه النقلة إليه من أي جانب من جانبيه
أراده ومن أي طرف من أطرافه خف عليه ومتى هرب أحد من خصمه وجد من يستره في قرب أو
بعد وإن آثر أن يستبدل داراً بدار أو سكة بسكة أو شارعاً بشارع أو زقاقاً بزقاق
فغير ذلك من التبديل اتسع له الإمكان في ذلك حسب الحالة والوقت ثم عيون التجار
المجهزين والسلاطين المعظمين وأهل البيوتات المبجلين في ناحية ناحية تنبعث الخيرات
بهم إلى الذين هم في الحال دونهم غير منقطع ذلك ولا مفقود فهي من خزائن الله العظام
التي لا يقف على حقيقتها إلا هو وحده ثم هي مع ذلك منصورة محبورة كلما ظن عدو
الإسلام أنه فائز باستئصال أهلها كبته الله وكبه لمنخريه واستئصلت قدرته بما ليس في
تقدير الخلق أجمعين فضلاً من الله ونعمة والله ذو الفضل العظيم.
أخبرني أحمد بن محمد بن أحمد بن يعقوب الكاتب قال حدثني جدي محمد بن عبيد الله بن
الفضل بن نفرجل قال نبأنا محمد بن يحيى النديم قال نبأنا عون بن محمد قال نبأنا
سعيد بن هرثم قال: قالت زبيدة لمنصور النمري قل شعراً تحبب فيه بغداد إلى أمير
المؤمنين الرشيد فقد اختار عليها الرافقة فقال:
ماذا ببغداد من طيب الأفانين ... ومن منازه للدنيا وللدين
تحيي الرياح بها المرضى إذا نسمت ... وجوشت بين أغصان الرياحين
قال فأعطته ألفي دينار.
أنشدنا أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب البرقاني قال أنشدنا أبو نصر الشاشي لأبي قاسم
الشاعر الوراق:
أعاينت في طول من الأرض والعرض ... كبغداد داراً إنها جنة الأرض
صفا العيش في بغداد وأخضر عوده ... وعود سواه غير صاف ولا غض
تطول بها الأعمار إن غذاءها ... مريء وبعض الأرض أمرأ من بعض
هذا القدر أنشدنا البرقاني من هذه الأبيات وهى أكثر من هذه وقائلها عمارة بن عقيل
ولها خبر سنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى.
(1/22)
أنشدنا القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي قال أنشدنا أبو علي الهايم قال
أنشدنا السري ابن أحمد الرفا الموصلي لنفسه من أبيات:
إذا سقى الله منزلاً فسقى ... بغداد ما حاولت من الديم
يا حبذا صحبة العلوم بها ... والعيش بين اليسار والعدم
وأنشدنا التنوخي قال أنشدنا أبو سعد محمد بن علي بن محمد بن خلف الهمداني لنفسه:
فدى لك يا بغداد كل قبيلة ... من الأرض حتى خطتي ودياريا
فقد طفت في شرق البلاد وغربها ... وسيرت رحلي بينها وركابيا
فلم أر فيها مثل بغداد منزلاً ... ولم أر فيها مثل دجلة واديا
ولا مثل أهليها أرق شمائلاً ... وأعذب ألفاظاً وأحلى معانيا
وكم قائل لو كان ودك صادقاً ... لبغداد لم ترحل فكان جوابيا
يقيم الرجال الأغنياء بأرضهم ... وترمي النوى بالمقترين المراميا
قرأت في كتاب طاهر بن المظفر بن طاهر الخازن بخطه من شعره:
سقى الله صوب الغاديات محلة ... ببغداد بين الكرخ فالخلد فالجسر
هي البلدة الحسناء خصت لأهلها ... بأشياء لم يجمعن مذ كن في مصر
هواء رقيق في اعتدال وصحة ... وماء له طعم ألذ من الخمر
ودجلتها شطان قد نظما لنا ... بتاج إلى تاج وقصر إلى قصر
تراها كمسك والمياه كفضة ... وحصباؤها مثل اليواقيت والدر
حدثنا القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الشافعي البصري قال أنشد أبو محمد
البافي قول الشاعر:
دخلنا كارهين لها فلما ... ألفناها خرجنا مكرهينا
فقال: يوشك أن يكون هذا في بغداد وأنشد لنفسه في معنى ذلك وضمنه البيت:
على بغداد معدن كل طيب ... ومغنى نزهة المتنزهينا
سلام كلما جرحت بلحظ ... عيون المشتهين المشتهينا
دخلنا كارهين لها فلما ... ألفناها خرجنا مكرهينا
وما حب الديار بنا ولكن ... أمر العيش فرقة من هوينا
وحدثنا علي بن محمد بن حبيب قال: كتب إلي أخي من بغداد وأنا بالبصرة شعراً يتشوقني
فيه يقول:
ولولا وجد مشتاق ... يقاسي فيكم جهداً
وما بالقلب من نار ... إذا ما ذكركم جدا
لقلنا قول مشتاق ... إلى البصرة قد جدا
شربنا ماء بغداد ... فأنسانا كم جدا
ولكن ذكركم أضحى ... على الأيام مشتدا
فلا ننسى لكم ذكراً ... ولا نطوي لكم عهدا
قال وكتب إلي أخي أيضاً من البصرة وأنا ببغداد:
طيب الهواء ببغداد يشوقني ... قدماً إليها وإن عاقت معاذير
فكيف صبري عنها الآن إذ جمعت ... طيب الهواءين ممدود ومقصور
ذكر نهري بغداد دجلة والفرات
وما جعل الله فيهما من المنافع والبركات:
أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد بن موسى بن هارون بن الصلت الأهوازي قال
أنبأنا أبو عبد الله محمد بن مخلد العطار قال قرأت على العباس بن يزيد البحراني قلت
حدثكم مروان بن معاوية عن إدريس الأودي عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: " نهران من الجنة النيل والفرات " .
أخبرنا أبو الحسن محمد بن عمر بن عيسى البلدي قال نبأنا أبو العباس عمرو بن هشام بن
عمرو قال: قرئ على الحارث بن محمد القنطري حدثكم يزيد بن هارون.
وأخبرنا أبو الفتح محمد بن أحمد بن أبي الفوارس الحافظ وأبو بكر محمد بن أحمد بن
يوسف الصياد وأبو القاسم طلحة بن علي بن الصقر الكتاني قالوا: أنبأنا أحمد بن يوسف
بن خلاد العطار قال نبأنا الحارث بن محمد قال نبأنا يزيد بن هارون قال أنبأ محمد بن
عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " فجرت أربعة
أنهار من الجنة الفرات والنيل وسيحان وجيحان " .
(1/23)
أخبرنا أبو طالب محمد بن علي بن إبراهيم البيضاوي قال أنبأنا محمد بن العباس الخزاز
قال أنبأنا ابن المجدر قال نبأنا داود بن رشيد قال نبأنا عبد الله بن جعفر أنبأنا
عبيد الله بن عمر عن حبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة قال قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: " النيل والفرات ودجلة وسيحان وجيحان من أنهار الجنة " .
أخبرنا إبراهيم بن عبد الواحد بن محمد بن الحباب الدلال قال أنبأنا أبو بكر محمد بن
عبد الله بن إبراهيم الشافعي قال نبأنا محمد بن أحمد بن برد قال نبأنا محمد بن عيسى
بن الطباع.
وأخبرنا أبو منصور محمد بن عيسى بن عبد العزيز البزاز بهمذان واللفظ له قال نبأنا
أبو العباس أحمد بن محمد بن الحسين الرازي قال نبأنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن
طرخان البلخي قال نبأنا أحيد بن الحسين قرأت عليه أن محمد بن حفص حدثهم قال نبأنا
الربيع بن بدر عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: " ينزل في الفرات كل يوم مثاقيل من بركة الجنة " .
أخبرنا القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي بالبصرة قال نبأنا عبد
الرحمن بن أحمد الختلي قال حدثني عبد الله بن محمد بن علي البلخي قال نبأنا محمد بن
أبان قال نبأنا أبو معاوية عن الحسن بن سالم بن أبي الجعد عن أبيه عن أبي هريرة قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وليس في الأرض من الجنة إلا ثلاثة أشياء: غرس
العجوة وأواق تنزل في الفرات كل يوم من بركة الجنة والحجر " .
أخبرنا أبو القاسم علي بن محمد بن علي بن يعقوب الأيادي قال أنبأنا أحمد بن يوسف بن
خلاد قال نبأنا الحارث بن محمد قال نبأنا سعيد بن شرحبيل عن ليث عن يزيد بن أبي
حبيب عن أبي الخير قال قال كعب: نهر النيل نهر العسل في الجنة ونهر دجلة نهر اللبن
في الجنة ونهر الفرات نهر الخمر في الجنة ونهر سيحان نهر الماء في الجنة قال: فأطفأ
الله نورهن ليصيرهن إلى الجنة.
أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال أنبأنا أبو علي عيسى بن محمد الطوماري قال نبأنا محمد
بن أحمد بن البراء قال نبأنا عبد المنعم بن إدريس قال حدثني أبي قال: ذكر وهب بن
منبه أن في ربض الجنة تراً من أنهار الجنة فهو أصل أنهار الأرض كلها التي أظهرها
الله تعالى حيث ما أراد أن يظهرها وأن النيل نهر العسل في الجنة ودجلة نهر اللبن في
الجنة والفرات نهر الخمر في الجنة وسيحان وجيحان نهران بأرض الهند وهما نهرا الماء
في الجنة.
أنبأنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل قال أنبأنا عثمان بن أحمد الدقاق قال نبأنا
محمد بن أحمد بن البراء قال نبأنا الفضل بن غانم قال نبأنا الهيثم بن عدي عن الكلبي
عن أبي صالح عن ابن عباس قال: " أوحى الله تعالى إلى دانيال الأكبر: " أن فجر
لعبادي نهرين واجعل مفيضهما البحر فقد أمرت الأرض أن تطيعك " قال: فأخذ قناة أو
قصبة فجعل يخدها في الأرض ويتبعه الماء فإذا مر بأرض شيخ كبير أو يتيم ناشده الله
فيحيده عن أرضه فعواقيل دجلة والفرات من ذلك.
أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد بن حماد الواعظ مولى بني هاشم قال نبأنا أبو
علي إسماعيل بن محمد الصفار إملاء قال حدثني أبو بكر محمد بن إدريس الشعراني قال
نبأنا موسى بن إبراهيم الأنصاري عن إسماعيل بن جعفر المدني عن عثمان بن عطاء عن
أبيه قال: أوحى الله تعالى إلى دانيال: " أن احفر لي سيبين نهرين بالعراق " قال
دانيال: إلهي بأي مكاتل؟ وبأي مساحي؟ وبأي رجال؟ وبأي قوة؟ أحفر لك هذين النهرين
فأوحى الله تعالى أن أعد سكة حديد وعرضها واجعلها في خشبة وألقها فوق ظهرك فإني
باعث إليك الملائكة يعينونك على حفر هذين السيبين " قال: ففعل فحفر فكان إذا انتهى
إلى أرض أرملة أو يتيم حاد عنه حتى حفر الدجلة والفرات فهذه العواقيل التي في
الدجلة والفرات من حفر دانيال.
قال الشيخ أبو بكر: ذكر بعض من تقدم من العلماء بأخبار الأوائل أن ملك الأردوان وهم
النبط كان في السواد قبل ملك فارس وإن النبط هم الذين استنبطوا الأرض وعمروا السواد
وحفروا الأنهار العظام فيه ويقال لهم: ملوك الطوائف.
وحكى الهيثم بن عدي عن عبد الله بن عياش المنتوف قال: كان حد ملك النبط الأنبار إلى
عانات كسكر إلى ما والاها من كور دجلة إلى جوخي وما حول ذلك من السواد.
(1/24)
قال
ابن عياش: وكانت سرة الدنيا في أيدي النبط واعتبر ذلك أن الفرات ودجلة ينصبان من
الشام والجزيرة ولا ينتفع بهما حتى يأتيا بلادهم فيفجرونهما في كل موضع ثم يسوقون
بقيتهما إلى البحر قال: وكان ملكهم ألف سنة وإنما سموا نبطاً لأنهم أنبطوا الأرض
وحفروا الأنهار العظام منها الصراة العظمى ونهر أبا ونهر سورا ونهر الملك حفر
الصراة العظمى فيروز حشنش وحفر نهر أبا أبا بن الصامغان وحفر نهر الملك أفقورشة
وكان آخر ملوك النبط ملك مائتي سنة قال: ثم وليت فارس فحفروا الأنهار الصغار كوثا
والصراة الصغرى التي عليها قصر ابن هبيرة وكل سيب بالعراق ثم حفروا النهروان قال:
وكان يقال له نهرواي لأنه إذا قل ماؤه عطش أهله وإذا كثر ماؤه غرقوا.
أخبرنا أبو القاسم الحسن بن الحسن بن علي بن المنذر القاضي وأبو القاسم علي بن محمد
بن علي بن يعقوب الأيادي وأبو علي الحسن بن أحمد وإبراهيم بن شاذان البزار قال
الأيادي: حدثنا وقالا: أخبرنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي قال نبأنا محمد
بن إسماعيل السلمي قال نبأنا سعيد بن سابق زاد ابن المنذر وابن شاذان أبو عثمان من
أهل رشيد ثم اتفقوا قال: حدثني مسلمة بن علي عن مقاتل بن حبان عن عكرمة عن ابن عباس
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أنزل الله من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار سيحون
وهو نهر الهند وجيحون وهو نهر بلخ ودجلة والفرات وهما نهرا العراق والنيل وهو نهر
مصر أنزلها الله تعالى من عين واحدة من عيون الجنة من أسفل درجة من درجاتها على
جناحي جبريل فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض وجعل فيها منافع للناس في أصناف
معايشهم فذلك قوله تعالى: " وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض " فإذا
كان عند خروج يأجوج ومأجوج: أرسل الله تعالى جبريل فرفع من الأرض القرآن - زاد ابن
المنذر وابن شاذان والعلم كله ثم اتفقوا: والحجر من ركن البيت ومقام إبراهيم وتابوت
موسى بما فيه وهذه الأنهار الخمسة فيرفع كل ذلك إلى السماء فذلك قوله تعالى: " وإنا
على ذهاب به لقادرون " فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض فقد أهلها خير الدين وخير
الدنيا وقال الأيادي: خير الدنيا والآخرة " .
باب تعريب اسم بغداد
أخبرنا محمد بن علي الوراق وأحمد بن علي المحتسب قالا: أنبأنا محمد بن جعفر الكوفي
النحوي قال نبأنا الحسن بن محمد السكوني قال نبأنا محمد بن خلف قال حدثني محمد بن
أبي علي عن محمد بن أبي السري عن ابن الكلبي قال: إنما سميت بغداد بالفرس لأنه أهدي
لكسرى خصي من المشرق فأقطعه بغداد وكان لهم صنم يعبدونه بالمشرق يقال له: البغ
فقال: بغ داد يقول: أعطاني الصنم والفقهاء يكرهون هذا الاسم من أجل هذا وسماها أبو
جعفر مدينة السلام لأن دجلة كان يقال لها وادي السلام.
أخبرني الأزهري قال أنبأنا أحمد بن محمد بن موسى وأخبرنا الجوهري قال أنبأنا محمد
بن العباس قال أنبانا أحمد بن جعفر بن المنادي قال: حدثني أبو موسى هارون بن علي بن
الحكم المقرئ المعروف بالمزوق قال نبأنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال نبأنا داود بن
منصور قاضي المصيصة: أن رجلاً ذكر عند عبد العزيز بن أبي رواد بغداد فسأله عن معنى
هذا الاسم فقال: بغ بالفارسية صنم وداد عطيته.
أخبرنا عبد الله بن علي بن حمويه الهمذاني بها قال أنبأنا أحمد بن عبد الرحمن
الشيرازي قال أنبأنا أبو عبد الرحمن بن عتيك قال نبأنا يحيى بن ساسويه قال نبأنا
أبو عبد الرحمن أحمد بن محمد بن حميد بن سليمان بن حفص بن عبد الله بن أبي جهم بن
حذيفة العدوي المدني قال حدثني أسمر بن سورة المجاشعي الدارمي من أهل فارس قال
حدثني كرماني بن عمرو الأزدي أخو معاوية بن عمرو صاحب زايدة قال سمعت عبد الله بن
المبارك يقول: لا يقال بغداذ بالذال فإن بغ شيطان وداذ عطيته وإنها شرك ولكن تقول
بغداد وبغدان كما تقول العرب.
أخبرنا ابن أبي علي المعدل قال أنبأنا محمد بن عبد الرحيم المازني قال أنبأنا عبيد
الله بن أحمد بن بكير التميمي قال أنبأنا عبد الله بن مسلم بن قتيبة قال: كان
الأصمعي لا يقول بغداذ وينهى عن ذاك ويقول مدينة السلام لأنه سمع في الحديث أن بغ
صنم وداذ عطيته بالفارسية كأنها عطية الصنم.
(1/25)
أخبرنا أبو الحسين محمد بن الحسين بن الفضل القطان قال نبأنا أبو سهل أحمد بن محمد
بن عبد الله بن زياد قال قال المبرد قال الثوري عن أبي عبيدة وأبي زيد وأشك في
الأصمعي يقال: بغداذ وبغداد ومغدان وبغدان.
أخبرنا الأزهري قال أنبأنا أحمد بن محمد بن موسى وأخبرنا الجوهري قال أنبأنا محمد
بن العباس قال أنبأنا أحمد بن جعفر بن محمد أبو الحسين قال حدثني أبو جعفر محمد بن
فرج النحوي البغدادي قال أنبأنا سلمة بن عاصم عن أبي زكريا يحيى بن زياد الفراء
مولى بني عبس قال يقال: بغداد بالباء والدال ويقال بغدان أيضاً بالباء في أولها
والنون في آخرها ومغدان بالميم أولاً وبالنون آخراً قال أبو الحسين وذلك كله راجع
إلى ما فسره ابن أبي داود: أنه عطية الصنم وربما قيل عطية الملك.
أخبرنا علي بن أبي علي البصري قال أنبأنا إسماعيل بن سعيد بن سويد المعدل قال نبأنا
أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري قال وقوله: هذه بغداد أصل هذا الاسم للأعاجم
والعرب تختلف في لفظه إذ لم يكن أصله من كلامهم ولا اشتقاقه من لغاتها وبعض الأعاجم
يزعم: أن تفسيره بالعربية بستان رجل فبغ بستان وداذ رجل وبعضهم يقول: بغ اسم صنم
كان لبعض الفرس يعبده وداذ رجل ولذلك كره جماعة من الفقهاء أن تسمى هذه المدينة
بغداذ لعله اسم الصنم وسميت مدينة السلام لمقاربتها دجلة وكانت دجلة تسمى قصر
السلام فمن العرب من يقول: بغدان بالباء والنون وبعضهم يقول: بغداد بالباء والدالين
وهاتان اللغتان هما السائرتان في العرب المشهورتان.
أنشدنا أبو بكر المخزومي في مجلس أبي العباس يعني ثعلباً
قل للشمال التي هبت مزعزعة ... تذري مع الليل شفاناً بصراد
أقرأ سلاماً على نجد وساكنه ... وحاضر باللوى إن كان أو بادي
سلام مغترب بغداد منزله ... إن أنجد الناس لم يهمم بإنجاد
قال أبو بكر بن الأنباريك وأنشدنا أبو شعيب قال أنشدنا يعقوب بن السكيت:
لعمرك لولا هاشم ما تفرقت ... ببغداد في نوغايه القدمان
قال وقال الآخر:
يا ليلة حرس الدجاج طويلة ... ببغداد ما كانت عن الصبح تنجلي
قال وقال الآخر:
ألا يا غراب البين مالك واقفاً ... ببغدان لا تجلو وأنت صحيح
فقال غراب البين وانهل دمعه ... نقضي لبانات لنا ونروح
ألا إنما بغدان سجن إقالة ... أراحك من سجن العذاب مريح
قال أبو بكر وأنشدني أبي قال أنشدني أبو عكرمة:
ترحل فما بغداد دار إقامة ... ولا عند من أضحى ببغداد طائل
محل ملوك سمنهم في أديمهم ... فكلهم من حلية المجد عاطل
زادني القاضي أبو الحسين محمد بن علي بن محمد بن المهتدي بالله ها هنا بيتاً ذكر لي
أن أبا الفضل محمد بن الحسن بن المأمون أخبرهم به عن ابن الأنباري هو:
سوى معشر قلوا وجل قليلهم ... يضاف إلى بذل الندا وهو باخل
ثم رجعنا إلى رواية ابن سويد:
ولا غرو إن شلت يد المجد والعلا ... وقل سماح من رجال ونائل
إذا غضغض البحر الغطامط ماءه ... فليس عجيباً أن تغيض الجداول
أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران قال أنبأنا أبو الحسين إسحاق
بن أحمد بن محمد بن إبراهيم الكاذي الزاهد قال أنشدنا أحمد بن يحيى يعني ثعلباً:
ترحل فما بغداذ دار إقامة ... ولا عند من أضحى ببغداذ طائل
قال الشيخ أبو بكر: هكذا في أصل كتابي عن ابن بشران بغداذ بالذال المعجمة في
الموضعين ثم ساق بقية الأبيات مثل ما تقدم عن ابن سويد.
أخبرنا علي بن أبي علي قال أنبأنا إسماعيل بن سعيد قال نبأنا أبو بكر بن الأنباري
قال أخبرني أبي قال أنبأنا الطوسي وابن الحكم عن اللحياني قال يقال: بغدان ومغدان
للمجانسة التي بين الباء والميم كما يقال: باسمك وماسمك وعذاب لازم ولازب في حروف
كثيرة وبعضهم يقول: بغداذ بالذال وهي أشد اللغات وأقلها.
قال أبو بكر: وأنشدني أبي قال أنشدنا الطوسي وابن الحكم عن اللحياني لأعرابي يمدح
الكسائي:
وما لي صديق ناصح أغتدي له ... ببغداذ إلا أنت بر موافق
قال وقال الآخر:
(1/26)
بغداد سقيا لك من بلاد ... يا دار دار الأنس والإسعاد
بدلت منك وحشة البوادي ... وقطع واد وورود واد
قال أبو بكر بن الأنباري: وبغداد في جميع اللغات تذكر وتؤنث فيقال: هذه بغدان وهذا
بغدان. أخبرنا أبو الفتح محمد بن عبيد الله الصيرفي قال نبأنا عبيد الله بن أحمد بن
يعقوب المقرئ قال نبأنا أبو القاسم المظفر بن عاصم بن أبي الأغر قال: دخلت إلى
بغداد وهي أجمة ليس فيها إلا كوخ واحد وفيه رجل من الأولين ينظر مبقلة له فلما أن
جاء المنصور ووضع الأساس قال: ما اسم هذا الموضع؟ قالوا: لا ندري ها هنا رجل من
الأولين سله فبعث إليه فقال له: ما اسمك؟ فقال: اسمي داذ فقال له: وما يقال لهذا
الموضع فقال: هذا باغ لي يعني البستان فقال سموه باغ لداذ فسميت بغداذ.
قال الشيخ أبو بكر: والمحفوظ أن هذا الاسم كان يعرف به الموضع قديماً قبل أبي جعفر
المنصور وقول ابن أبي الأغر هذا: أن المنصور هو الذي سمى الموضع بغداذ لم يتابعه
عليه أحد والله أعلم.
باب من أخبار أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور
أخبرنا القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي قال نبأنا أبو الحسن
علي بن إسحاق بن محمد البختري المادرائي قال نبأنا أبو قلابة الرقاشي.
وأخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن داود الرزاز قال أنبانا أحمد بن سلمان
النجاد قال أنبأنا أبو قلابة الرقاشي قراءة عليه قال نبأنا أبو ربيعة قال نبأنا أبو
عوانة عن الأعمش عن الضحاك عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "
منا السفاح ومنا المنصور ومنا المهدي " قال النجاد: هكذا قرأه علينا أبو قلابة
مرفوعاً.
قال الشيخ أبو بكر: وكذلك رواه يحيى بن غيلان عن أبي عوانة.
أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال نبأنا أبو سهل أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد
القطان قال: نبأنا محمد بن الفرج الأزرق قال نبأنا يحيى بن غيلان قال نبأنا أبو
عوانة عن الأعمش عن الضحاك بن مزاحم عن عبد الله بن عباس عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: " منا السفاح والمنصور والمهدي " .
حدثني الحسن بن أبي طالب قال حدثنا عمر بن أحمد الواعظ قال نبأنا عبد الله بن
سليمان بن الأشعث ومحمد بن علي بن سهل الزعفراني ومحمد بن الحسين بن حميد بن الربيع
الخزاز وأخبرنا أبو القاسم الأزهري قال نبأنا محمد بن المظفر الحافظ قال نبأنا أبو
سهل محمد بن علي الزعفراني قالوا: نبأنا أحمد بن راشد الهلالي قال نبأنا سعيد بن
خيثم عن حنظلة عن طاوس عن ابن عباس قال: حدثتني أم الفضل بنت الحارث الهلالية قالت
مررت بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو في الحجر فقال: " يا أم الفضل إنك حامل بغلام "
قالت: يا رسول الله وكيف وقد تحالف الفريقان أن لا يأتوا النساء؟ قال: " هو ما أقول
لك فإذا وضعتيه فائتيني به " قالت: فلما وضعته أتيت به رسول الله صلى الله عليه
وسلم فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى وقال: " اذهبي بأبي الخلفاء " .
قالت: فأتيت العباس فأعلمته فكان رجلاً جميلاً لباساً فأتى النبي صلى الله عليه
وسلم فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قام إليه فقبل بين عينيه ثم أقعده عن
يمينه ثم قال: " هذا عمي فمن شاء فليباه بعمه " قال: يا رسول الله بعض هذا القول
فقال: " يا عباس لم لا أقول هذا القول؟ وأنت عمي وصنو أبي وخير من أخلف بعدي من
أهلي " فقلت: يا رسول الله ما شيء أخبرتني به أم الفضل من مولودنا هذا؟ قال: " نعم
يا عباس إذا كانت سنة خمس وثلاثين ومائة فهي لك ولولدك منهم السفاح ومنهم المنصور
ومنهم المهدي " لفظ حديث الحسن.
أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ قال نبأنا سليمان بن أحمد الطبراني قال
نبأنا أبو زيد عبد الرحمن بن حاتم المرادي قال نبأنا نعيم بن حماد قال نبأنا الوليد
بن مسلم عن شيخ عن يزيد بن الوليد الخزاعي عن كعب قال: المنصور والمهدي والسفاح من
ولد العباس.
أخبرني علي بن أحمد الرزاز قال أنبأنا أحمد بن سلمان الفقيه قال نبأنا أبو قلابة
الرقاشي قال نبأنا علي بن الجعد قال أنبأنا زهير بن معاوية عن ميسرة يعنى ابن حبيب
عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير قال: كنا عند ابن عباس فذكرنا المهدي وكان
منضجعاً فاستوى جالساً فقال: منا السفاح ومنا المنصور ومنا المهدي.
(1/27)
أخبرنا القاضي أبو العلاء محمد بن علي بن يعقوب الواسطي قال نبأنا أبو الحسين علي
بن عمر بن أحمد الحافظ قال نبأنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد بن موسى الهاشمي
قال حدثني أبي عبد الصمد قال حدثني أبي موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام عن أبيه
محمد بن إبراهيم قال: قال المنصور يوماً ونحن جلوس عنده: أتذكرون رؤيا كنت رأيتها
ونحن بالشراة.
فقالوا: يا أمير المؤمنين ما نذكرها فغضب من ذلك وقال: كان ينبغي لكم أن تثبتوها في
ألواح الذهب وتعلقوها في أعناق الصبيان فقال عيسى بن علي: إن كنا قصرنا في ذلك
فنستغفر الله يا أمير المؤمنين فليحدثنا أمير المؤمنين بها قال: نعم رأيت كأني في
المسجد الحرام وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة وبابها مفتوح والدرجة
موضوعة وما أفقد أحداً من الهاشميين ولا من القرشيين إذا مناد ينادي: أين عبد الله
فقام أخي العباس يتخطى الناس حتى صار على الدرجة فأخذ بيده فأدخل البيت فما لبث أن
خرج علينا ومعه قناة عليها لواء قدر أربع أذرع أو أرجح فرجع حتى خرج من باب المسجد
ثم نودي أين عبد الله؟ فقمت أنا وعبد الله بن علي نستبق حتى صرنا إلى الدرجة فجلس
وأخذ بيدي فأصعدت فأدخلت الكعبة وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ومعه أبو
بكر وعمر وبلال فعقد لي وأوصاني بأمته وعممني فكان كورها ثلاثة وعشرين كوراً وقال:
خذها إليك أبا الخلفاء إلى يوم القيامة.
أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عمر المقرئ قال أنبأنا علي بن أحمد بن أبي قيس
الرفا قال نبأنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا قال حدثني محمد بن صالح
قال حدثني أبو مسعود الرياحي قال حدثني عبيد الله بن العباس قال: ولد أبو جعفر سنة
خمسة وتسعين.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثني حمدون بن سعد المؤذن قال: رأيت أبا جعفر يخطب على
المنبر معرق الوجه يخضب بالسواد وكان أسمر طويلاً نحيفاً خفيف العارضين وأمه أم ولد
يقال لها سلامة.
أخبرنا محمد بن علي الوراق قال أنبأنا أحمد بن محمد بن عمران قال أنبأنا أبو بكر
محمد بن يحيى بن عبد الله بن العباس بن محمد بن صول الصولي النديم قال: توفي
المنصور بمكة وكان حاجاً في سنة ثمان وخمسين ومائة ودفن ما بين الحجون وبئر ميمون
بن الحضرمي وله يوم توفي أربع وستون سنة.
قال: الصولي: ويروى أنه ولد سنة خمس وتسعين في اليوم الذي مات فيه الحجاج.