الكتاب : سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل
والتوالي
المؤلف : العصامي
فأخذ يتظلم مما وقع به، وأقبل إلى الكوفة، وأقام بها مستخفياً يتنقل في المنازل،
واختلفت إليه الشيعة، وبايعه جماعات، وناس من وجوه أهل الكوفة يذكر لهم دعوته، ثم
يقول: أتبايعون على ذلك؟ فيقولون: نعم، فيضع يده على أيديهم، ويقول: عليك عهد الله
وميثاقه وذمته وذمة نبيه لتتبعني، ولتقاتلن عدوي، ولتنصحن لي في السر والعلانية.
فإذا قال: نعم، مسح يده على يده، ثم قال: اللهم اشهد، فبايعه على ذلك خمسة عشر
ألفاً وأمرهم بالاستعداد، وشاع أمره في الناس، وبلغ الخبر إلى يوسف بن عمر، فأخرجه
من الكوفة. ولحقه الشيعة بالقادسية أو الثعلبية، وعذله داود بن علي بن عبد الله بن
عباس على الرجوع معهم وذكره حال جده الحسين، فقالت الشيعة لزيد: هذا إنما يريد
الأمر لنفسه ولأهل بيته، فرجع معهم ومضى داود إلى المدينة.
ولما أتى زيد الكوفة، جاءه مسلمة بن كهيل، فصده عن ذلك، وقال: أهل الكوفة لا يفون
لك، وقد كان مع جدك منهم أضعاف من معك ولم يفوا له، وكان أعز عليهم منك على هؤلاء.
فقال له زيد: قد بايعوني ووجبت البيعة في عنقي وعنقهم.
قال: فتأذن لي أن أخرج من هذه البلد فلا آمن أن يحدث حدث وأنا لا آمن نفسي، فخرج
إلى اليمامة.
وكتب عبد الله المحض بن الحسن المثنى إلى زيد يعذله ويصده فلم يصغ إليه. وتزوج نساء
بالكوفه وكان يختلف إليهن والناس يبايعونه، ثم أمر أصحابه يتجهزون.
ونمى الخبر إلى يوسف بن عمر فطلبه، وخاف زيد فتعجل الخروج، وكان يوسف بالحيرة وعلى
الكوفة الحكم بن الصلت، وعلى شرطته عمر بن عبد الرحمن.
ولما علم الشيعة أن يوسف يبحث عن زيد جاء إليه جماعة منهم، فقالوا له: ما تقول في
الشيخين؟ فقال زيد: رحمهما الله وغفر لهما، وما سمعت أحداً من أهل بيتي يذكرهما إلا
بخير، وغاية ما أقول: إنا كنا أحق بسلطان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الناس
فدفعونا عنه، ولم يبلغ ذلك الكفر، وقد عدلا في الناس، وعملا بالكتاب والسنة.
قالوا: فإذا كان أولئك لم يظلموك، وهؤلاء لم يظلموك فلم تدعونا إلى قتالهم. فقال:
إن هؤلاء ظلموا المسلمين أجمعين، وإنا ندعوهم إلى الكتاب والسنة، وأن نحيي السنن،
ونطفىء البدع، فإن أجبتم سعمتم، وإن أبيتم فلست عليكم بوكيل. فقالوا: إذَن نرفضك.
فقال: اذهبوا فأنتم الرافضة. ففارقوه ونكثوا بيعته.
وقالوا: سبق الإمام الحق، يعنون محمداً الباقر، وإن جعفراً ابنه إمامنا بعده، فمن
ذلك سموا بهفا الاسم.
ثم بعث يوسف بن عمر إلى الحكم بن الصلت عامل الكوفة أن يجمع أهل الكوفة في المسجد
فجمعوا، وطلبوا زيداً في دار معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة فخرج منها ليلاً،
واجتمع عليه ناس من الشيعة الذين بقوا معه ولم يفارقوه، وهم الفرقة المخصوصة باسم
الزيدية، وأشعلوا النيران، ونادوا يا منصور حتى طلع الفجر. وأصبح جعفر بن أبي
العباس فلقي اثنين من أصحاب زيد ينادون بشعاره، فقتل واحداً وأتى بالآخر إلى الحكم
بن الصلت فقتله، وغلق أبواب المسجد على الناس، وبعث إلى يوسف بن عمر بالخبر، فسار
من الحيرة.
(2/359)
--------------------------------------------------------------------------------
وقدم الريان بن سلمة الأراشي في ألفين خيالة، وثلاثمائة ماشية، وافتقد زيد الناس
فقيل له: إنهم بالجامع محصورون، ولم يجد معه إلا مائتين وعشرين رجلاً، وخرج صاحب
شرطته في خيل فلقي نصر بن خزيمة العبسي من أصحاب زيد ذاهباً إليه، فحمل عليه نصر
وأصحابه فقتلوه، وحمل زيد على أهل الشام فهزمهم، وانتهى إلى دار أنس بن عمرو الأزدي
ممن بايعه فناداه ولم يجبه ولم يخرج إليه. ثم سار زيد إلى الكناسة فحمل على أهل
الشام، فهزمهم ثم دخل الكوفة والريان في اتباعه، فلما رأى زيد خذلان الناس قال لنصر
بن خزيمة: أفعلتموها حسينية؟ فقال نصر: أما أنا فوالله لأموتن معك، وإن الناس
بالمسجد فامض بنا إليهم، فجاء زيد إلى المسجد ينادي في الناس بالخروج إليه، فرماه
أهل الشام بالحجارة من فوق المسجد وانصرفوا عند المساء، وأرسل يوسف بن عمر العباس
بن سعد المزني في أهل الشام، فجاءه في دار الرزق وقد كان آوى إليها عند المساء،
فلقيه زيد وعلى مجنبته نصر بن خزيمة، ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن ثابت، فاقتتلوا
فحمل نصر على أصحاب العباس، فهزمهم زيد وأصحابه، وعبأهم يوسف بن عمر من العشي ثم
سرحهم، فكشفهم أصحاب زيد، ولم تثبت خيلهم لخيله، وبعث إليه يوسف بن عمر بالناشبة،
واشتد القتال وقتل معاوية بن زيد، ثم رمي زيد عند المساء بسهم أثبته فرجع أصحابه،
وأهل الشام يظنون أنهم تحاجزوا، ولما نزل النصل من جبهته مات فدفنوه وأجروا عليه
الماء، وأصبح الحكم يوم الجمعة يتتبع الجرحى من الدور، ودله بعض الموالي على قبر
زيد فاستخرجه، وقطع رأسه وبعث به إلى يوسف بن عمر بالحيرة فبعثه إلى هشام فصلبه على
باب دمشق، وأمر يوسف الحكم بن الصلت أن يصلب جثة زيد بالكناسة ونصر بن خزيمة
ومعاوية بن إسحاق ويحرسهم، واستمر نحواً من سنتين أو أربع مصلوباً، ويذكر أن
العنكبوت نسجت على عورة زيد رضى الله تعالى عنه، فلما ولي الوليد أمر بإحراقهم فإنا
لله وإنا إليه راجحون. قلت: كان يوسف بن عمر هذا متولي العراقين لهشام بن عبد الملك
ومروان وهو الآمر للحكم بن الصلت أن يصلب جثة زيد بالكناسة مذموماً في عمله مخدوشاً
في عقله متنطعاً في حمقه. حدث عنه المدائني قال: وزن يوسف بن عمر درهماً فنقص حبة
فكتب إلى صاحب دار الضرب بالعراق فضرب ألف سوط، وخطب في مسجد الكوفة فتكلم إنسان
مجنون فقال: يا أهل الكوفة ألم أنهكم أن تدخل مجانينكم المسجد اضربوا عنقه فضربت.
وتخلف عنه يوماً كاتبه، فقال له: ما حبسك؟ فقال: اشتكيت ضرسي فقال: تشتكي ضرسك
وتقعد عن الديوان، فدعا بالحجام وأمره بقلع ضرسين من أضراسه.
وعنه أيضاً قال: حدثنا رضيع ليوسف بن عمر من بني عبس قال: كنت لا أحجب عنه ولا عن
حريمه، فدعا ذات يوم بجوار له ثلاث، ودعا بخصي له أسود، يقال له: خديج فقرب إليه
واحدة، فقال لها: إني أريد الشخوص فأخلفك أم أشخصك معي. فقالت: صحبة الأمير أحب إلي
ولكن أحسب أن مقامي وتخلفي أعفى عليه وأخف.
فقال: أحببت التخلف للفجور. اضربها يا خديج. فضربها حتى أوجعها. ثم أمره بأن يأتيه
بالأخرى، فقال لها: إني أريد الشخوص - مثل قوله للاولى - فقالت وقد رأت ما لقيت
صاحبتها المتقدمة: ما أعدل بصحبة الأمير شيئاً بل يخرجني معه. فقال: أحببت الجماع
ما تريدين أن يفوتك، اضربها يا خحيج، فضربها حتى أوجعها. ثم أمره أن يأتيه بالثالثة
وقد رأت ما وقع لأولتيها. فمال لها كما قال لهما. فقالت: الأمير أعلم لينظر أخف
الأمرين عليه فليفعله فقال لها: اختاري لنفسك. فقالت: ما عندي لهنا اختيار فليختر
الأمير فقال: هل فرغت أنا الآن من كل عملي ولم يبق علي إلا أن أختار لك. أوجعها يا
خديج ضرباً. قال الرجل: فكأنما هو يضربني في الثلاث من شدة غيظي عليه وعلى آمره.
فولت الجارية وتبعها الخصي، فلما بعدت قالت: الخيرة والله في فراقك لا تقر عين أحد
بصحبتك فلم يفهم يوسف كلامها فقال: ما تقول يا خديج؟ قال: قالت كذا وكذا. قال: يابن
الخبيثة، من أمرك أن تخبرني؟ يا غلام: خذ السوط من يده فأوجع به رأسه، فما زال
يضربه حتى اشتفيت منه. كذا في المحاصن والمساوئ للبيهقي.
قلت: فانظر إلى هؤلاء المتخلفين وإلى من يولونه تجد الوصلة بينهما قريبة غير غريبة.
(2/360)
--------------------------------------------------------------------------------
واستجار يحيى بن زيد بعبد الملك بن بشر بن مروان، فأجازه حتى سكن الطلب، ثم سار إلى
خراسان في نفر من الزيدية فقام بالدعوة كما سيذكر. كان قتله في شهر شعبان سنة 121
إحدى وعشرين ومائة.
وقتل في صفر سنة اثتتين وعشرين. عمره ثلاث وأربعون سنة.
ثم قام بالدعوة ابنه الإمام يحيى بن زيد بن علي زين العابدين بن علي بن أبي طالب،
وذلك في أيام الوليد بن يزيد بن عبد الملك بخراسان.
ثم انتقل إلى بيهق، وأظهر دعوته هناك فقصدته جنود الوليد، فقاتلهم فضعف عن
المقاتلة، فتوجه إلى جوزجان، واجتمع عليه الجنود فقاتلوا فأصابه سهم آخر نهار
الجمعة من شهر رمضان سنة ست وعشرين ومائة، فحز رأسه وحمل إلى الوليد ابن يزيد،
وصلبت جثته على جذع عند باب جوزجان، وبقي مصلوباً إلى أن ظهر أبو مسلم الخراساني
صاحب دعوة العباسيين، فأنزله من الجذع وصلى عليه وعمره ثمان وعشرون سنة. فهؤلاء في،
دولة بني أمية.
وأما في دولة العباسيين فكان زمان عبيد الله السفاح - أول من ولي منهم - زمان صلح
وسداد وبر منه بهم، ما ظهر في زمانه أحد ولا دعا داع، وكانوا شيئاً واحداً على ما
تقتضيه القرابة واللحمة.
فلما مات السفاح وولي أخوه المنصور عبد الله الدوانيقي قام بالدعوه محمد الملقب
بالنفس الزكية بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي
طالب.
وسبب ذلك أنه لما صار أمر بني أمية إلى الاختلاف، واضطرب أمر مروان بن مِحمد اجتمع
أهل البيت بالمدينة الشريفة، وتشاوروا فيمن يعقدون له الخلافة، فاتفقوا على محمد
النفس الزكية بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط، وبايعوه سراً وسلم
له جميعهم.
ويقال: إنه حضر هذه البيعة أبو جعفر عبد الله المنصور، وبايع فيمن بايع له من أهل
البيت، وأجمعوا على ذلك لتقدمه فيهم بما علموا له من الفضل عليهم، ولهذا كان مالك
وأبو حنيفة - رحمهما الله تعالى - يجنحان إليه حين خرج من الحجاز، ويريان إمامته
أصح من إمامة أبي جعفر لانعقاد هذه البيعة من قبل، وربما صار إليه الأمر عند الشيعة
بانتقال الوصية إليه من زيد بن علي، وكان أبو حنيفة يقول بفضله، ويجنح إلى حقه،
فتأدت إليهما المحنة بسبب ذلك أيام أبي جعفر المنصور حتى ضرب مالك على الفتيا في
طلاق المكره، وحبس أبو حنيفة على القضاء.
ولما حج المنصور أيام أخيه السفاح سنة ست وثلاثين تغيب عنه محمد هذا وأخوه إبراهيم
ولم يحضرا عنده مع بني هاشم، فسأل عنهما، فقال له زياد بن عبيد الله الحارثي: أنا
آتيك بهما وكان معه بمكة فرده المنصور إلى المدينة.
ولما صارت الخلافة إلى أبي جعفر المنصور سعى عنده ببني حسن، وأن محمد ابن عبد الله
يروم الخروج وأن دعاته ظهروا بخراسان، فطفق يسأل عن محمد ويختص بني هاشم بالسؤال
سراً فكلهم يقول: إنك ظهرت على طلبه بهذا الأمر فخافك ويحسن العذر عنه، إلا الحسن
بن زيد بن الحسن بن علي، فإنه قال: والله ما آمن وثوبه عليك، فإنه لا ينام عنك،
فكان موسى الجون بن عبد الله المحض يقول بعد هذه: اللهم اطلب الحسن بن زيد بدمائنا.
ثم إن المنصور حج سنة أربعين ومائة، وألح على عبد الله بن حسن في إحضار ابنه محمد،
فاستشار عبد الله بن سليمان بن علي في إحضاره.
فقال له سليمان: لو كان عافياً لعفا عن عمه، فاستمر عبد الله على الكتمان. ثم
استعمل المنصور على المدينة رياح بن عثمان المري في رمضان سنة أربع وأربعين فقدم
المدينة.
وتهدد عبد الله المحض في إحضار ابنيه محمد وإبراهيم، فقال له عبد الله: إنك،لأزرق
قيس المذبوح فيها كما تذبح الشاة، فاستشعر ذلك ووجم، فقال له حاجبه أبو البختري: إن
هذا ما اطلع على الغيب، فقال له: والله ما قال هذا إلا ما سمع، فكان كذلك كما
سيذكر.
ثم جد رياح في طلب محمد فأخبر أنه في شعاب رضوى من عمل ينبع وهو جبل جهينة، فبعث
عامله في طلبه فأفلت.
(2/361)
--------------------------------------------------------------------------------
ثم إن رياح حبس بني حسن وقيدهم، وهم عبد الله المحض وإخوته حسن وإبراهيم وجعفر
وابنه موسى الجون بن عبد الله المحض، وسليمان وعبد الله ابني أخيه داود وإسماعيل
وإسحاق ابني إبراهيم بن الحسن، ولم يحضر معهم أخوه على العابد، ثم حضر من الغد
وقال: جئتك لتحبسني مع قومي فحبسه، وكتب إليه المنصور أن يحبس معهم محمد بن عبد
الله بن عمرو بن عثمان بن عفان المعروف بالديباجة وكان أخا عبد الله المحض لأمه،
أمهما فاطمة بنت الحسين، وكان عامل مصر قد عثر على علي بن محمد بن عبد الله المحض
بعثه أبوه محمد النفس الزكية إلى مصر يدعو له فأخذه عاملها وبعث به إلى المنصور.
ثم إن المنصور حج سنة أربع وأربعين فلما قضى حجه وخرج إلى الرَّبذة، وجاء رياح بن
عثمان ليودعه أمره بأشخاص بني حسن ومن معهم إلى العراق، فأخرجهم في القيود والأغلال
وأركبهم في محامل بغير وطاء وجعفر الصادق يعاينهم من وراء ستر ويبكي، وجاء محمد
وإبراهيم مع أبيهما يسايرانه مستترين بزي الأعراب، ويستأذنانه في الخروج، فيقول: لا
تعجلا حتى يمكنكما وإن منعتما أن تعيشا كريمين فلا تمنعا أن تموتا كريمين.
وانتهوا بهم إلى الربذة، وأحضر العثماني محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان ابن
عفان المعروف بالديباجة عند المنصور فضربه مائة وخمسين سوطاً بعد ملاحاة جرت بينهما
أغضبت المنصور، ويقال: إن رياحاً أغرى المنصور به، وقال له: إن أهل الشام شيعته ولا
يتخلف منهم عنه أحد، ثم كتب أبو عون عامل خراسان إلى المنصور: إن أهل خراسان
ينتظرون محمد بن عبد الله المحض وأنه جفل منهم، فأمر المنصور بقتل العثماني وبعث
برأسه إلى خراسان وبعث معه من يحلف أنه رأس محمد بن عبد الله المحض وأن أمه فاطمة
بنت رسول الله، ثم قدم المنصور بهم الكوفة وحبسهم بقصر ابن هبيرة ويقال: إنه قتل
محمد بن إبراهيم بن حسن، بنى عليه أسطوانة وهو حي فمات، ثم مات بعده عبد الله
المحض، ثم علي بن حسن. ويقال: إن المنصور أمر بهم فقتلوا ولم ينج منهم إلا سليمان
وعبد الله ابنا داود وإسحاق وإسماعيل ابنا إبراهيم بن حسن وجعفر بن حسن.
ثم إن المنصور أرجع رياحاً إلى المدينة وأمره بإمعان الطلب لمحمد فوصلها وألح في
طلب محمد وهو مختف ينتقل في اختفائه من مكان إلى مكان، وقد أرهقه الطلب حتى تدلى في
بئر وانغمس في مائها وحتى سقط ابنه من جبل فتقطع، ودل عليه رياح بالمدينة فركب في
طلبه فاختفى عنه ولم يره، ولما اشتد الطلب عليه أجمع على الخروج، وأغراه أصحابه
بذلك.
وجاء الخبر إلى رياح بأنه الليلة خارج، وحضر العباس بن عبد الله بن الحارث بن
العباس ومحمد بن عمران بن إبراهيم بن محمد قاضي المدينة وغيرهما، وقال لهم: أمير
المؤمنين يطلب محمداً شرق الأرض وغربها وهو بين أظهركم، والله لئن خرج ليقتلنكم
أجمعين.
فأمر القاضي لإحضار عشيرته بني زهرة فجاءوا في جمع كثير وأجلسهم بالباب، ثم أحضر
نفراً من العلويين فيهم جعفر بن محمد بن الحسين وحسين بن علي بن حسين بن علي وحسن
بن علي بن حسين بن علي ورجالاً من قريش، وبينما هم عنده سمعوا التكبير وقيل خرج
محمد، فقال ابن مسلم بن عقبة لرياح بن عثمان: أطعني واضرب أعناق هؤلاء العلويين،
فأبى.
فأقبل محمد النفس الزكية في مائة وخمسين رجلاً، وقصدوا السجن، وأخرج محمد بن خالد
بن عبد الله القسري وابن أخيه ومن كان معهما محبوساً بالظلم، وأتى دار الإمارة وهو
ينادي بالكف عن القتل، فدخلوا من باب المقصورة وقبضوا على رياح بن عثمان عامل
المدينة وأخيه عباس وابن مسلم بن عقبة وحبسهم، ثم خرج إلى المسجد فخطب الناس، وذكر
المنصور بما نقمه عليه، ووعد الناس واستنصرهم، واستعمل على المدينة عثمان بن محمد
بن خالد بن الزبير، وعلي قضائها عبد الملك بن عبد المطلب بن عبد الله المخزومي، ولم
يتخلف عن محمد ابن المحض من وجوه الناس إلا نفر قليل، منهم خبيب بن ثابت بن عبد
الله بن الزبير.
(2/362)
--------------------------------------------------------------------------------
واستفتى أهل المدينة مالكاً في الخروج مع محمد وقالوا: في أعناقنا بيعة المنصور،
فقال الإمام مالك: إنما بايعتم مكرهين، فتسارع الناس إلى محمد، ولزم مالك بيته،
وأرسل محمد المذكور إلى إسماعيل عبد الله بن جعفر يدعوه إلى بيعته - وكان شيخاً
كبيراً - فقال: أنت والله يابن أخي مقتول، فكيف أبايعك، فرجع الناس عنه قليلاً
قليلاً، وأسرع بنو معاوية بن عبد الله بن جعفر إلى محمد، فجاءت أختهم حمادة إلى
عمها إسماعيل وقالت: يا عم إن مقالتك ثبطت الناس عن محمد، وإخوتي معه فأخشى أن
يقتلوا، فطردها. فيقال: إنها غدت عليه فقتلته.
ولما استوى أمر محمد بن المحض المذكور ركب رجل من آل أويس بن أبي سرح اسمه الحسين
بن صخر، وجاء إلى المنصور في تسع وخبره الخبر، فقال: أنت رأيته؟ قال: نعم، وكلمته
على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تتابع الخبر، وأشفق المنصور من أمره
فاستشار أهل بيته ودولته، فبعث إلى عمه عبد الله وهو محبوس يستشيره، فأشار عليه بأن
يقصد الكوفة فإنهم شيعة أهل البيت، فيملك عليهم أمرهم، ويحفها بالمسالح حتى يعرف
الداخل والخارج، ويستدعي سالم بن قتيبة من الري فيحشد معه كافة أهل الشام ويبعثه،
وأن يثبت العطاء في الناس.
فخرج المنصور إلى الكوفة وتبعه عبد الله بن الربيع بن عبيد الله بن عبد المدان.
ولما قد الكوفة أرسل إلى بديل بن يحيى - وكان السفاح يشاوره - فأشار عليه بأن يشحن
الأهواز بالجنود، وأشار عليه جعفر بن حنظلة البهراني بأن يبعث الجند إلى البصرة،
فلما ظهر إبراهيم أخو محمد المذكور بتلك الناحية تبين وجه إشارتهما.
وقال المنصور لجعفر بن حنظلة: كيف خفت البصرة؟ قال: لأن أهل المدينة ليسوا أهل حرب
حسبهم أنفسهم، وأهل الكوفة تحت قدمك، وأهل الشام أعماء الطالبيين، ولم يبق إلا أهل
البصرة.
ثم إن المنصور كتب إلى محمد بن عبد الله المحض المذكور كتاب أمان فأجاب عنه بالرد
والتعريض بأمور في الأنساب والأحوال، فأجابه المنصور بمثل ذلك، وانتصف كل منهما
لنفسه بما ينبغي الإعراض عنه مع أنهما صحيحان مرويان.
وذكرهما المبرد في كامله. فمن أراد الوقوف عليهما فليلتمسهما في أمكنهما. ذكر جميع
هذا العلامة ابن خلدون في كتابه المسمى كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في دولة
العرب والعجم والبربر. قلت: قد أحببت ذكرهما تجميلاً للجامح القاصر، وتكميلاً يكون
فيه شفاء الخاطر.
قال لسان الأدب وترجمان العرب أبو العباس محمد بن يزيد الشهير بالمبرد في كتابه
المسمى الكامل: وفي سنة خمس وأربعين ومائة اشتد الطلب على محمد النفس الزكية خرج
بالمدينة الشريفة، وبعث أخاه إبراهيم إلى البصرة داعياً له فغلب عليها وعلى الأهواز
وفارس، وبعث الحسن بن معاوية أو محمد بن معاوية من أولاد جعفر بن أبي طالب إلى مكة
فملكها، وبعث عاملاً إلى اليمن فملكه. ودعا لنفسه وخطب على منبره عليه الصلاة
والسلام، وكان يدعي بالنفس الزكية وتلقب بالمهدي، وحبس رياح بن عثمان المري عامل
المدينة للمنصور، وبلغ الخبر إلى المنصور بذلك فكتب إليه كتاباً نصه بعد البسملة:
من عبد الله عبد الله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله أما بعد ف " إِنَّماً
جَزاء اَلَذِينَ يحاربون الله وَرَسُولَهُ وَيسعَونَ في اَلأَرضِ فَسَاداً... " إلى
" غَفُورٌ رحِيم " المائدة: 33: 34، ولك ذمة الله وعهده وميثاقه وحق نبيه محمد صلى
الله عليه وسلم إن تبتَ من قبل أن نقدر عليك أن أؤمنك على نفسك وولدك وإخوتك ومن
بايعك وجميع شيعتك وأن أعطيك ألف ألف درهم وأنزلك من البلاد حيث شئت وأقضى لك ما
شئت من الحاجات وأطلق من في سجني من أهل بيتك وشيعتك وأنصارك ثم لا أتتبع أحداً
منكم بمكروه، وإن شئت أن تتوثق لنفسك فوجه إلى من يأخذ لك الميثاق والعهد والأمان
إن أحببت. والسلام.
فأجابه محمد المهدي بكتاب نصه بعد البسملة: من عبد الله محمد المهدي أمير المؤمنين
إلى عبد الله بن محمد.
(2/363)
--------------------------------------------------------------------------------
أما بعد " طسم تِلكَ أياَتُ اَلكِتَاب المُبِينِ نَتلُوا عَلَيكَ مِن نَّباً مُوسى
وَفِرعَونَ بإَلحَقِ لِقَومِ يُؤمنِونَ إنَّ فِرغَون عَلا في الآَرضِ... " إلى "
يحذرون " القصص: ا: 16، وأنا أعرض عليك من الأمان مثل الذي أعطيتني، فقد تعلم أن
الحق حقنا وأنكم إنما أعطيتموه بنا ونهضتم فيه بشيعتنا وخطبتموه بفضلنا، وإن أبانا
علياً - عليه السلام - كان الوصي والإمام، فكيف ورثتموه دوننا ونحن أحياء، وقد
علمتم أنه ليس أحد من بني هاشم يمت بمثل فضلنا ولا يفخر بمثل قديمنا وحديثنا ونسبنا
وسببنا، وإنا بنو أم رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت عمرو في الجاهلية
دونكم، وبنو ابنته فاطمة في الإسلام من بينكم، فأنا أوسط بني هاشم نسباً وخيرهم
أماً وأباً، لم تلدني العجم ولم تعرق بي أمهات الأولاد، وإن الله عز وجل لم يزل
يختار لنا فولدني من النبيين أفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم، ومن أصحابه أقدمهم
إسلاماً وأوسعهم علماً وأكثرهم جهاداً علي بن أبي طالب، ومن نسائه أفضلهن خديجة بنت
خويلد أول من آمن بالله وصلى إلى القبلة، ومن بناته أفضلهن، وسيدة نساء أهل الجنة،
ومن المولودين في الإسلام الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. ثم قد علمت أن هاشماً
ولد علياً مرتين، وأن عبد المطلب ولد الحسن مرتين.
وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولدني مرتين من قبل جدي الحسن والحسين سيدي شباب
أهل الجنة، فما زال الله يختار لي حتى اختار لي في النار فولدني أرفع الناس درجة في
الجنة، وأهون أهل النار عذاباً يوم القيامة، فأنا ابن خير الأخيار، وابن خير
الأشرار وابن خير أهل الجنة، وابن خير أهل النار.
ولك عهد إن دخلت في بيعتي أن أؤمنك على نفسك وولدك وكل ما أصبته، إلا حداً من حدود
الله تعالى، أو حقاً لمسلم أو معاهد، فقد علمت ما يلزمك في ذلك، فأنا أوفي بالعهد
منك، وأنت أحرى بقبول الأمان مني إليك.
وأما أمانك الذي عرضت علي فأي الأمانات هو؟! أمان ابن هبيرة، أم أمان عمك عبد الله
بن علي، أم أمان أبي مسلم الخراساني؟! والسلام.
فأجابه المنصور بقوله بعد البسملة: من عبد الله عبد الله أمير المؤمنين إلى محمد بن
عبد الله.
اْما بعد فقد أتاني كتابك، وبلغني كلامك، فإذا جل فخرك بالنساء لتضل به الجفاة
والغوغاء، ولم يجعل الله النساء كالعمومة ولا الآباء كالعصبة والأولياء، وقد جعل
الله العم أباً، وبدأ به على الولد الأدنى، فقال جل ثناؤه عن نبيه عليه الصلاة
والسلام: " وَاَتبَعَتُ مِلَةَ آبَائي إبرَاهِيمَ وإسحَاقَ وَيَعقُوب " يوسف: 38،
ولقد علمت أن الله تبارك وتعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم وعمومته أربعة،
فأجابه اثنان أحدهما أبي، وكفر اثنان أحدهما أبوك. وأما ما ذكرت من النساء
وقرابتهن، فلو أعطين على قدَر الأنساب وحق الأحساب لكان الخير كله لآمنة بنت وهب،
ولكن الله يختار لدينه من يشاء من خلقه.
وأما ما ذكرت عن فاطمة بنت عمرو أم أبي طالب، فإن الله لم يهد أحداً من ولدها إلى
الإسلام، ولو فعل لكان عبد الله بن عبد المطلب أولاهم بكل خير في الآخرة والأولى،
وأسعدهم بدخول الجنة، ولكن الله أبى ذلك فقال: " إنَّكَ لا تهدي من أَحبَبت ولكن
اللهَ يَهدي مَن يشاءُ " القصص: 56، وأما ما ذكرت من فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي
طالب وفاطمة أم الحسن والحسين، وأن هاشماً ولد علياً مرتين وأن عبد المطلب ولد
الحسن مرتين فخير الأولين والآخرين رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يلده هاشم إلا
مرة واحدة، ولم يلده عبد المطلب إلا مرة واحدة. وأما ما ذكرت من أنك ابن رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فإن الله قد أبى ذلك له فقال: " مّاً كاَنَ مُحَمداً أَبا
أَحَد مِّن رِجَالِكم وَلَكِن رَّسُولَ اَللهِ وَخَاتَمَ اَلنِبَيينَ " الأحزاب:
40، ولكنكم بنو ابنته وإنها لقرابة قريبة غير أنها امرأة لا تحوز الميراث ولا يجوز
أن تؤم، فيكف تورث الإمامة من قبلها؟! ولقد طلب بها أبوك من كل وجه، فأخرجها تخاصم
ومرّضها سراً، ودفنها ليلاً، وأبى الناس إلا تقديم الشيخين.
(2/364)
--------------------------------------------------------------------------------
ولقد حضر أبوك وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بالصلاة غيره، ثم أخذ الناس
رجلاً رجلاً فلم يأخذوا أباك فيهم، ثم كان في أصحاب الشورى فكل دفعه عنها، بايع عبد
الرحمن عثمان وقبلها عثمان، وحارب أباك طلحة والزبير ودعا سعداً إلى بيعته فأغلق
بابه دونه، ثم بايع معاوية بعده، وأفضى أمر جدك إلى أبيك الحسن، فسلمه إلى معاوية
بخرق ودراهم، وأسلم في يديه شيعته، وخرج إلى المدينة، ودفع الأمر إلى غير أهله،
وأخذ مالاً من غير حله، فإن كان لكم فيها شيء فقد بعتموه.
وأما قولك: إن الله أختار لك في الكفر، فجعل أباك أهون أهل النار عذاباً فليس في
الشر خيار ولا من عذاب الله هين، ولا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يفتخر
بالنار، وسترد فتعلم " وَسيعلَمُ اَلذينَ ظلَمُوا... " الشعراء: 227، الآية. وأما
قولك: لم تلدني العجم، ولم تعرف فيك أمهات الأولاد وأنك أوسط بني هاشم نسباً،
وخيرهم أماً وأباً، فقد رأيتك فخرت على بني هاشم طراً، وقدمت نفسك على من هو خير
منك أولى وأخرى وأصلاً وفصلاً فخرت على إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم
وعلى والدِ ولده، فانظر ويحك أين تكون من الله غداً، وما ولد فينا مولود بعد وفاة
رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من علي بن الحسين وهو لأم ولد، ولقد كان خيراً
من جدك حسن بن حسن، ثم ابنه محمد بن علي خير من أبيك عبد الله وجدته أم ولد، ثم
ابنه جعفر الصادق وهو خير منك.
ولقد علمت أن جدك علياً حكم الحكمين، وأعطاهما عهد الله وميثاقه على الرضا بما حكما
به فأجمعا على خلعه، ثم خرج عمك الحسين بن علي فحاربه ابن مرجانة، وكان الناس الذين
معه عليه حتى قتلوه ثم أتوا بكم على الأقتاب كالسبي المجلوب إلى الشام.
ثم خرج منكم غير واحد فقتلتكم، بنو أمية وحرقوكم بالنار، وصلبوكم على جذوع النخل
حتى خرجنا عليهم، فأدركنا بثأركم إذ لم تدركوه، ورفعنا أقداركم وأورثناكم أرضهم
وديارهم بعد أن كانوا يلعنون أباك في أدبار كل صلاة مكتوبة كما تلعن الكفرة،
فعنفناهم وكفرناهم وبينا فضله، وأشدنا بذكره، فاتخذت ذلك علينا حجة، وظننت أنا -
بما ذكرنا من فضل علي - أنا قدمناه على حمزة والعباس وجعفر، كل أولئك مضوا سالمين
مسلماً منهم، وابتلي أبوك بالدماء.
وقد علمت أن مآثرنا في الجاهلية سقاية الحاج الأعظم، وولاية زمزم، وكانت للعباس دون
إخوته، فنازعنا فيهما أبوك إلى عمر فقضى لنا عمر بهما، وتوفي رسول الله صلى الله
عليه وسلم وليس أحد من عمومته حياً إلا العباس، فكان وارثه دون بني عبد المطلب،
وطلب الخلافة غير واحد من بني هاشم فلم ينلها إلا ولده، فاجتمع للعباس أنه أبو رسول
الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، وبنوه القادة الخلفاء، فقد ذهب بفضل القديم
والحديث، ولولا أن العباس أخرج إلى بدر كرهاً لمات عماك طالب وعقيل جوعاً أو يلحسا
جفان عتبة وشيبة ابني ربيعة فأذهب عنهما العار والشنار.
ولقد جاء الإسلام والعباس يمون أبا طالب للأزمة التي أصابتهم، ثم فدى عقيلاً يوم
بدر، فقدمناكم في الكفر، وفديناكم من الأسر، وورثنا دونكم خاتم الأنبياء، وحزناً
شرف الآباء، وأدركنا من ثأركم إذ عجزتم عنه، ومنعناكم حيث لم تمنعوا أنفسكم.
والسلام.
ثم عقد أبو جعفر المنصور على حربه، لعيسى ابن عمه موسى بن علي بن عبد الله بن
العباس، فسار في الجنود، ومعه محمد بن أبي العباس السفاح، وكثير بن حصين العبدي،
وحميد بن قخطبة، وهزار مرد وغيرهم. وهؤلاء المذكورون كل رجل منهم مذكور في مقاتلة
ألف مشهور مخبور. وقال له: إن ظفرت بمحمد، فأغمد سيفك وابذل له الأمان، وإن تغيب،
فخد أهل المدينة به؛ فإنهم يعرفون مذاهبه. ومن لقيك من آل أبي طالب، فعرفني به. ومن
لم يلقك فاقبض ماله. وكان جعفر الصادق فيمن تغيب، فقبض ماله.
(2/365)
--------------------------------------------------------------------------------
ويقال: إن المنصور لما قدم المدينة بعد ذلك، طلبه جعفر بالمال، فقال المنصور: قبضه
مهديكم. ولما وصل عيسى بن موسى إلى زيد، كتب إلى نفر من أهل المدينة يستدعيهم،
واستشار محمد المهدي أصحابه في المقام بالمدينة، ثم في الخندق عليها، فآثر ذلك؛
اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فحفر الخندق الذي حفره - عليه الصلاة والسلام
- للأحزاب، ونزل عيسى بن موسى بالأعوص، وكان محمد قد منع الناس من الخروج فخيرهم؛
فخرج كثير منهم بأهليهم إلى الجبال، وبقي في شرذمة قليلة، ثم تدارك أمره، وأمر
بردهم فأعجزوه.
ونزل عيسى بن موسى على أربعة أميال من المدينة، وبعث عسكراً إلى طريق مكة يعترضون
محمداً أن ينهزم إلى مكة، واْرسل إليه بالإحسان والدعاء إلى الكتاب والسنة، ويحذره
عاقبة البغي. فقال: إنما أنا رجل فررت من القتل. ثم نزل عيسى بن موسى بالجرف، لثنتي
عشرة ليلة خلت من رمضان، سنة خمس وأربعين، فأقام يومين، ثم وقف على سلع، ونادى
بالأمان لأهل المدينة، وأن يخلوا بينه وبين صاحبه، فشتموه؛ فانصرف وعاد من الغد،
وقد فرق القواد من سائر جهات المدينة، وبرز مع أصحابه، ورايته مع عثمان بن محمد بن
خالد بن الزبير، وأبلى محمد المهدي يومئذ - بلاءً عظيماً، وقتل بيده سبعين رجلاً.
ثم أمر عيسى بن موسى حميد بن قحطبة، فتقدم في مائة من الرجالة إلى حائط دون الخندق
فهدمه واجتاز الخندق، وقاتلوا من ورائه، وصابرهم أصحاب محمد إلى العصر. ثم أمر عيسى
أصحابه فردموا الخندق بالحقائب، ونصبوا عليه الأبواب، وجازت الخيل، فاقتتلوا،
وانصرف محمد فاغتسل وتحنط، ثم رجع، وقال له عبد الله بن جعفر: لو أتيت الحسن بن
معاوية - يعني: عامله الذي أرسله إلى مكة - فإن معه جل أصحابك، وليس لك بهؤلاء
طاقة. فقال: أترك أهل المدينة يقتتلون؟! والله! لا أفعل أو أقتل، وأنت مني في سعة.
فمشى معه قليلاً ثم رجع، وافترق عنه جل أصحابه، وبقي في ثلاثمائة أو نحوها، فقال له
بعض أصحابه: نحن في عدة أهل بدر، ثم جمع بين الظهر والعصر، ومضى فأحرق الديوان الذي
فيه أسماء من بايعه، وجاء إلى السجن فقتل رياح بن عثمان، عامل المدينة قبله من قبل
المنصور، وأخاه عباساً.
وتقدم محمد إلى بطن سلع ومعه بنو شجاع من الحمس؛ فعرقبوا دوابهم وكسروا جفون سيوفهم
واستماتوا، وهزموا أصحاب عيسى مرتين أو ثلاثاً. وصعد نفر من أصحاب عيسى الجبل،
فانحدروا منه إلى المدينة، ورفع بعض نسوة آل العباس خماراً لهن أسود على منارة
المسجد، فلما راه أصحاب محمد وهم يقاتلون؛ هربوا. وفتح بنو غفار طريقاً لأصحاب عيسى
فجاءوا من وراء أصحاب محمد، ودعا محمد حميد بن قحطبة للبراز فأبى، ونادى ابن خفير
عن أصحاب محمد بالأمان، فلم يصغ إليه، وكثرت فيه الجراحة، ثم قتل. وقاتل محمد علي
شلوه يهذ الناس عنه هذا، حتى ضرب فسقط لركبته، فطعنه ابن قحطبة في صدره، ثم أخذ
رأسه فأتى به عيسى، فبعثه إلى المنصور، وأرسل معه رؤوس بني شجاع، وكان قتله منتصف
رمضان، سنة خمس وأربعين ومائة.
وأرسل عيسى الألوية فنصبت بالمدينة بالأمان، وصلب محمد وأصحابه ما بين ثنية الوداع
والمدينة، واستأذنت أخته في دفنه فدفنته بالبقيع، وقبره مشهور، عليه قبة يزار بها،
رحمه الله تعالى، عمره اثنان وخمسون سنة. وقيل: خمس وأربعون. ثم قام أخوه إبراهيم
بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط، وكان قيامه بالبصرة، قد أرسله
أخوه محمد النفس الزكية إليها فاستولى عليها، فبلغه الخبر بمقتل أخيه يوم العيد،
غرة شهر شوال سنة خمس وأربعين، فخطب الناس ونعاه إليهم، وأنشد من الطويل:
سَأَبكِيكَ بالِبيضِ القَوَاضِبِ والقَنَا ... فَإن بِهاً ماً يدرِكُ الطالبُ
الوترا
ولَستُ كمَن يَبْكِي أَخَاهُ بعَبرَةِ ... يُعَصرهاً مِنْ جَفْنِ مُقلَتِهِ عَصرا
فبايعوه بالإمامة، واستولى على واسط والأهواز، وكورها، وما والاها من بلاد فارس،
ونهض لقتال المنصور، وكان يلاحظ آخرته أكثر من دنياه. فالتقى الجمعان ب باخمر من
أرض الأهواز، فجاءه سهم غرب، وحمل عليه، جند المنصور وحزوا رأسه، وأرسلوه إلى
المنصور.
وكان قتله غرة ذي الحجة من السنة المذكورة، وعمره: ثمان وستون سنة، قيل: و خمسون.
(2/366)
--------------------------------------------------------------------------------
ثم قام إبراهيم الغمر بن الحسن المثنى، أخو عبد الله المحض، بعد قتل ابني أخيه:
محمد، وإبراهيم؛ فعاجله المنصور قبل أن يستحكم أمره؛ فأسره وحبسه مع إخوته وأهل
بيته، ومات في الحبس. وكان قيامه آخر سنة خمس وأربعين ومائة، عمره سبع وستون سنة.
ثم قام الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن السبط، في ام
المنصور - أيضاً - وكان بالبصرة مستتراً، وأرسل دعاته منها إلى كل ناحية؛ فسعى به
إلى المنصور قر بن جلال الأزدي، فأعطاه ثلاثة آلاف درهم، وأرسل رجلاً معه، يقال له:
مرعيد النصراني، في جماعة من الأعوان، وكتب إلى عامله بالبصرة لسمع والطاعة فيما
يشير به مرعيد، فدخل في زي أهل الصلاح مظهراً للتشيع والعبادة، ومضى قر إلى الحسن
وأخبره بقدوم رجل صالح في وصفه، ثم عرف قرين بين مرعيد وبين شيعة الحسن، فرأوا نسكه
وصلاحه؛ فأنسوا به، وجعل الشيعة سف صلاح حاله للحسن؛ حتى أحب لقاءه، ومرعيد مع ذلك
- يحسن صلة الحسن بالأموال، ويرسل الجيران يستعين بهم في أمره ووصفه، وكلما كتب
إليه الحسن كتاباُ قبله، ووضعه على رأسه وعينيه، وأكل خاتمه، يظهر أنه يريد التبرك
به، إلى أن قالت له الشيعة: إن الحسن يشتهي لقاءك، فقال لهم: أخشى من اشتهار أمري،
ولكن أنا في حجرة، فلو جاءني مع هذا - وأومأ إلى قرين - رجوت أن يكون الأمر
مستوراً. فأجابته الشيعة إلى ذلك. وعمد مرعيد فهيأ القيد والرجال، فخبأهم في مجلسه.
فلما وصل قيدوه، وحمل بساعته إلى المنصور، فلما أوصلوه إليه أمر بحبسه وغيبه، ثم آل
أمره إلى أن مات بالسم في حبسه، سنة نيف وستين ومائة.
ثم قام في أيام المنصور - أيضاً - عبد الله الأشتر ابن محمد النفس الزكية بن عبد
الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب وكان ظهوره بالسندة
لأنه هرب بعد قتل أبيه إليه، وبقي بالسند بأرض كابل يدعوهم إلى الإسلام؛ لأنهم
كانوا مشركين، فأسلم على يده خلق كثير. وكان على السند من جهة المنصور: هشام بن
عمرو التغلبي، فوقع بينهما قتال كثير، قدر خمسين وقعة في سنة واحدة، وقتل هناك
ظلماً. وكان قيامه سنة ست وأربعين ومائة، وقتل سنة إحدى وخمسين، وعمره: ثلاث
وثلاثون سنة.
ثم قام الحسن بن إبراهيم بن الحسن المثنى بن الحسن السبط في البصرة، أيام المهدي بن
المنصور، وتوارى لقلة أصحابه، إلى أن مات.
ثم قام عيسى بن زيد بن علي زين العابديني، في أيام المهدي، فبايعه أهل الكوفة وأهل
البصرة والأهواز، ووردت عليه بيعة أهل الحجاز، وهو متوارٍ. واشتد الطلب له من
المنصور وأخذ الناس على الظنة، فاستتر عيسى بالأهواز، وأكثر مقامه بها في زمن
المنصور. فلما ولي الأمر المهدي أظهر نفسه، فدس إليه المهدي رجلاً من أصحابه، قيل:
إنه أعطاه مقدار مائتي ألف دينار؛ فسمه في طعامه، وهو بسواد الكوفة مما يلي البصرة؛
فمات فجر اليوم الثالث، ودفن سراً، ولا يعرف قبره. وكان قيامه سنة ست وخمسين ومائة،
ووفاته سنة ست وستين ومائة. عمره: ست وأربعون سنة.
ثم قام علي بن العباس بن الحسن المثنى بن الحسن السبط، في أيام المهدي - أيضاً -
ببغداد، فبايعه جماعة سراً. وهم بالانتقال من بغداد إلى غيرها من البلاد، فقبضه
المهدي قبل استحكام أمره وحبسه، فلم يزل في حبسه إلى أن وفد عليه الحسين بن علي
الفخي - الآتي ذكره بعده - فكلم المهدي فيه واستوهبه منه؛ فوهبه له، ثم دس له شربة
سم، فلم يزل يعمل فيه السم حتى قدم المدينة، فتفسخ لحمه، وتباينت أعضاؤه، بعد دخول
المدينة بثلاثة أيام، ومات.
(2/367)
--------------------------------------------------------------------------------
ثم قام الحسين بن علي بن الحسن المثلث بن الحسن المثنى بن الحسن السبط، أيام الهادي
بن المهدي بن المنصور، سنة تسع وستين ومائة، وهو بالمدينة، وجده: الحسن المثلث: أخو
عبد الله المحض؛ بويع بالمدينة، وخطب على منبرها، وهرب عاملها. فلما استقر أمره
بالمدينة وصار إلى مكة، كتب الهادي إلى محمد بن سليمان بن علي - وقد كان قدم حاجاً
من البصرة - فولاه حربه، فقتله بفخ على ثلاثة أميال من مكة بل دونها، فتقاتلوا يوم
التروية، فقتل الحسين في أكثر من مائة من أصحابه، ولم ينج منهم إلا اليسير، كانوا
بين القتلى إلى أن جن عليهم الليل هربوا، ودفن الحسين وأصحابه هنالك، وقبره مشهور
يزار إلى الآن، في بناء على يمين الداخل إلى مكة من وادي مر. وحمل رأسه إلى الهادي
موسى بن المهدي، العباسي، فلم يحمد ذلك. وكان الحسين هذا شجاعاً جواداً كريماً،
يحكى أن المهدي أعطاه لما قدم عليه ألف دينار فقرقها في الناس ببغداد والكوفة، وخرج
لا يملك ما يلبسه إلا فروة ليس تحتها قميص رحمه الله وغفر له وأعاد علينا من
بركاته.
روى أبو الفرج الأصبهاني في مقاتل الطالبيين بإسناده إلى النبي صلى الله عليه وسلم
قال: " انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فخ فصلى بأصحابه ثمة صلاة الجنائز
ثم قال: تقتل ههنا رجال من أهل بيتي وعصابة من المسلمين تنزل لهم أكفان وحنوط من
الجنة تسبق أرواحهُم إلى الجنة أجسادَهم " .
وكان عمره حين قتل إحدى وأربعين سنة.
ثم قام يحيى بن عبد الله المحض بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب في زمان
الهادي أيضاً بعد أن نجا من وقعة الفخ فجال في البلدان، ولم يقر بمكان وآخر الأمر
استقر بجبل الديلم وكان إذا ذاك في زمان هارون الرشيد، فسرح الرشيد لحربه الفضل بن
يحيى البرمكي، فبلغ الفضل إلى الطالقان وتلطف في استنزال يحيى بن عبد الله من بلاد
الديلم على أن يشترط ما أحب ويكتب له الرشيد بذلك خطه فتم بينهما ذلك؛ وجاء به
الفضل فوفي له الرشيد بكل ما أحبه، وأجرى له أرزاقاً سنية حسنة.
ثم توجه يحيى بإذنه إلى المدينة ثم استرجعه هارون الرشيد من المدينة إلى بغداد
بسعاية كانت فيه من بعض آل الزبير. فيقال: إنه لما حلف الزبيري بتلك اليمين التي
فيها البراءة من حول الله وقوته والالتجاء إلى الحول والقوة ومات الزبيري بعد
الثلاثة الأيام أطلق الرشيد يحيى ووصله بمال، ثم بعد ذلك بمديدة أظهر له ذلك أنه قد
صح عنده أنه يطلب الناس سرّاً إلى بيعته، فكلم الرشيد الفقهاء فيما أعطاه من
الأمان. فمنهم من أثبته، ومنهم من نقضه، ثم آخر الأمر أرسله - الى الحبس فمات بعد
شهر من اعتقاله في الحبس.
واختلف في موته فقيل: خنقوه، وقيل: بنوا عليه، وقيل: سموه، وقيل؛ قتلوه بالجوع،
ويقال: أطلقه الفضل بن يحيى افتئاتاً على الرشيد، فكان ذلك سبب نكبة البرامكة والله
أعلم أيا كان ذلك.
قلت: ذكر المسعودي أن هذه المباهلة بهذه اليمين وقعت مع الزبير نفسه منسوبة إلى
موسى الكاظم معه، والله أعلم من أيهما كانت.
كان قيام يحيى سنة ست وسبعين ومائة.
(2/368)
--------------------------------------------------------------------------------
ثم قام من بعده أخوه إدريس بن عبد الله المحض، وذلك أنه لما أفلت ونجا من واقعة
الحسين الفخي لحق بمصر إلى الغرب، وعلى بريد مصر يومئذ واضح مولى صالح بن المنصور
ويعرف بالمسكين وكان يتشيع، فعلم بشأن إدريس، وهو جد الأدارسة بالمغرب ومنهم طائفة
بمكة أتوا إليها، وأتاه إلى المكان الذي كان به مستخفياً وحمله على البريد إلى
المغرب ومعه راشد مولاه فنزل بوليلي سنة اثنتين وسبعين وبها يومئذ إسحاق بن محمد بن
عبد الحميد أمير أورند من قبائل البربر، وكبيرهم، فأجاره وأكرمه، وأجمع البربر على
القيام بدعوته، وخلع الطاعة العباسية وكشف القناع، فبايعوه وقاموا بأمره، وكان فيهم
مجوس فقاتلهم إلى أن أسلموا وملك المغرب الأقصى، وملك تلمسان سنة ثلاث وسبعين،
ودخلت ملوك زنانة أجمع في طاعته، واستفحل ملكه، وخافه إبراهيم بن الأغلب صاحب
القيروان، وراسل الرشيد يخبره فدس إليه الرشيد مولى من موالي أبيه المهدي اسمه
سليمان بن جرير، ويعرف بالشماخ وأنفذه بكتاب إلى ابن الأغلب، فأجازه ولحق بإدريس
مظهراً للنزوع إليه فيمن نزع من وحدان العرب ومتبرئاً من الدولة العباسية، فاختصه
الإمام إدريس وحلا بعينه وكان قد تأبط سماً في سنون فناوله إياه عند شكايته من وجع
سنونه فكان فيما زعموا حتفه.
ودفن ببوليلى سنة سبع وسبعين ومائة.
ثم قام بالدعوة محمد بن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل الديباج بن إبراهيم بن الحسن
المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب، وأبوه إبراهيم طباطبا لقب بذلك للكنة
كانت به صغيراً سببها أنه طلب يوماً غلامه أن يأتيه بقباء فلم يفهم مراده فقال له
إبراهيم: طباطبا يريد قبا قبا فلقب به.
حبسه المهدي وبقي في الحبس إلى زمان هارون ومات فيه، فظهر ابنه محمد هذا. وسبب
ظهوره: أنه لما بعث المأمون الحسن بن سهل وزيره إلى العراق وولاه ما كان افتتحه
طاهر بن الحسين من البلاد والأعمال، تحدث الناس أن الحسن بن سهل غلب على المأمون
واستبد عليه وحجبه عن أهل بيته وقواده، فغضبت بنو ماشم ووجوه الناس وأجهزوا على
الحسن بن سهل وهاجت الفتنة.
وكان أبو السرايا السري بن منصور ويذكر أنه من بني شيبان من ولد هانئ بن قبيصة بن
هانئ بن مسعود، وقيل من بني تميم كان بالجزيرة، وطلب ففر إلى شرقي الفرات، وأقام
هنالك يخيف السابلة، ثم لحق بيزيد بن مزيد بأرمينية في ثلائين فارساً فقوده أي جعله
قائداً، وقاتل معه الخرمية وأثر فيهم، وأخذ منهم غلامه المسمى أبا الشوك، ومات يزيد
بن مزيد، فكان أبو السرايا مع ولده أسد كذلك، فعزل أسد فسار أبو السرايا إلى أحمد
بن مزيد، ولما بعث الأمين أحمد بن مزيد حرب هرثمة بن أعين أحد قواد المأمون بعثه
أحمد طليعة إلى عسكر هرثمة فاستماله هرثمة فمال إليه فلحق به وقصده قومه بنو شيبان
من الجزيرة، فاجتمع إليه منهم أكثر من ألفي فارس، واستخرج لهم الأرزاق من هرثمة بن
أعين، فلما قتل الأمين نقص هرثمة من أرزاقهم، فغضب أبو السرايا واستأذن في الحج
فأذن له هرثمة وأعطاه عشرين ألف درهم فصرفها في أصحابه ومضى وأوصاهم باتباعه فاجتمع
له منهم نحو مائتين، وسار بهم أبو السرايا إلى عين التمر فأخذوا عاملها وقسموا
ماله. ولقوا عاملاً آخر بمال موقر على ثلاثة أبغال فاقتسموه، فأرسل هرثمة خلفه
فهزمهم ودخل البرية، ولحق به من تخلف من أصحابه فكثر أصحابه وجمعه، وسار نحو دقوقا،
وعليها أبو ضرغامة العجلي في سبعمائة فارس فخرج وقاتله، فهزمه أبو السرايا، ورجع
أبو ضرغامة إلى القصر فحاصره أبو السرايا حتى نزل على الأمان، وأخذ أمواله وسار إلى
الأنبار، وعليها إبراهيم الشروني مولى المنصور عاملاً فقتله وأخذ ما فيها. ثم عاد
إليها عند إدراك الغلال فافتتحها. ثم قصد الرقة ومر بطوق بن مالك التغلبي واستجاشه
على قيس، فأقام عنده أربعة أشهر يقاتل قيساً بعصبية ربيعة، حتى انقادت قيس إلى طوق
بن مالك، وسار أبو السرايا إلى الرقة فلقي محمد بن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل بن
إبراهيم بن الحسن المثنى بن الحسن السبط صاحب الترجمة فدعاه إلى الخروج، واتعدوا
إلى الكوفة فدخلاها وبايعه أهلها على بيعة الرضا من آل محمد، ونهب أبو السرايا قصر
العباس بن موسى بن عيسى، وأخذ معه من الأموال والجواهر ما لا يحصى، وذلك منتصف
جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين.
(2/369)
--------------------------------------------------------------------------------
ولما ملك الكوفة هرع الناس إليه والأعراب من النواحي وبايعوه، وأرسل أخاه أبا
القاسم بن إبراهيم إلى مصر وكان على الكوفة سليمان بن منصور من قبل، الحسن بن سهل،
فبعث إليه زهير بن المسيب الضبي في عشرة آلاف، فخرج إليه ابن طباطبا، وأبو السرايا
فهزماه، واستباحا عسكره وأصبح محمد بن إبراهيم طباطبا من الغد ميتاً، فنصب أبو
السرايا مكانه غلاماً من العلويين وهو محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين.
فنقول: ثم قام محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين المذكور، واستبد عليه أبو
السرايا، وبعث الحسن بن سهل عيدروس بن محمد بن خالد المروروذي في أربعة آلاف، فلقيه
أبو السرايا منتصف رجب، وقتله ولم يفلت من أصحابه أحد كانوا بين قتيل وأسير، وضرب
أبو السرايا الدراهم بالكوفة باسمه، وبعث جيوشاً إلى البصرة وواسط.
وولى بالبصرة العباس بن محمد بن عيسى الجعفري، وعلى مكة الحسين الأفطس بن الحسين بن
علي زين العابدين بن الحسين وجعل إليه الموسم.
وعلى اليمن محمد - أو إبراهيم - بن موسى بن جعفر الصادق. فسار أبو السرايا إلى
البصرة، وأخرج ابن سهل ففر أمامهم، فبعث الحسن بن سهل إلى هرثمة يستدعيه لحرب أبي
السرايا، وقد كان سار إلى خراسان مغاضباً له، فرجع بعد امتناع، وسار إلى الكوفة،
وبعث الحسن بن سهل إلى المدائن وواسط علي بن سعيد، فبلغ الخبر أبا السرايا وهو بقصر
ابن هبيرة بالكوفة، فوجه جيشاً إلى المدائن، فملكوها في رمضان، وتقدم فنزل نهر صرصر،
وعسكر هرثمة بإزائه غدوة، وسار علي بن سعيد في شوال إلى المدائن، فحاصرهم بها أصحاب
أبي السرايا، فرجع أبو السرايا من نهر صرصر إلى قصر ابن هبيرة وهرثمة في اتباعه، ثم
حاصره هرثمة وقتل جماعة من أصحابه، فانحاز إلى الكوفة، فوثب الطالبيون على دور
العباسيين، وشيعتهم فنهبوها وخربوها وأخرجوهم، واستخرجوا ودائعهم عند الناس، وأقام
هرثمة بنواحي الكوفة يحاصرها، واستدعي منصور بن المهدي، وكاتب رؤساء الكوفة، واشتد
الحصار على أبي السرايا بالكوفة فهرب عنها في ثمانمائة فارس، ومعه صاحبه الذي نصبه،
وهو محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين صاحب الترجمة.
ودخلها هرثمة منتصف محرم ابتداء سنة 200 مائتين وأقام بها يوماً، وولى عليها بعض
قواده.
وقصد أبو السرايا القادسية وسار منها إلى السوس. ولقي بخوزستان مالاً حمل من
الأهواز فقسمه في أصحابه، وكان على الأهواز الحسن بن علي المأموني فخرج إلى أبي
السرايا فهزمه الحسن وافترق أصحاب أبي السرايا، وجاء إلى منزله برأس عين زحلولا
ومعه صاحبه الذي نصبه وهو محمد بن محمد صاحب الترجمة المذكورة وغلامه أبو الشوك،
فظفر بهم حماد الكندغوش وجاء بهم إلى الحسن بن سهل في النهروان، فقتل أبا السرايا
وبعث إلى المأمون برأسه وبمحمد بن محمد مع الرأس حياً فحبسه المأمون إلى أن مات قيل
مسموماً.
كان قيامه في رجب سنة تسع وتسعين ومائة، وبعد موت محمد بن محمد هذا استقل كل واحد
من دعاته ودعا كل واحد منهم إلى نفسه، وسار علي بن سعيد الحرشي إلى البصرة فملكها
من يد زيد بن موسى بن جعفر الصادق وكان يسمى زيد النار لكثرة ما أحرق من دور
العباسيين وشيعتهم، فاستأمن إليه زيد فأمنه علي وأخذه، وبعث المعتصم الجيوش
العباسية إلى مكة والمدينة واليمن لقتال من بها من العلويين، وكان إبراهيم بن موسى
بن جعفر - لما ولاه أبو السرايا اليمن - سار إليها وبها إسحاق بن موسى بن عيسى،
فهرب إسحاق إلى مكة واستولى إبراهيم على اليمن وكان يسمى الجزار لكثرة قتله، ثم بعث
رجلاً من بني عقيل بن أبي طالب إلى مكة ليحج بالناس، وقد جاء لذلك أبو إسحاق في
جماعة من القواد فيهم حمدويه بن علي بن عيسى بن ماهان والياً على اليمن من قبل
الحسن بن سهل فَحُمَّ العقيلي عن لقائهم، واعترض قافلة الكسوة والطيب، فأخذها ونهب
أموال التجار، ودخل الحُجاج إلى مكة عراة، فبعث الجلودي من القواد فصبحهم وهزمهم،
وأسر منهم وتنقذ كسوة الكعبة وطيبها وأموال التجار وضرب الأسرى كل واحد عشرة أسواط
وأطلقهم.
وحج بالناس تلك السنة المعتصم العباسي قبل خلافته.
(2/370)
--------------------------------------------------------------------------------
وفي سنة مائتين وجه المأمون رجاء بن أبي الضحاك ليشخص إليه علي الرضا بن موسى
الكاظم، فوصل إليه علي الرضا، فولاه العهد من بعده ولقبه الرضا وضرب الدراهم باسمه
وكتب له بالبيعة إلى الآفاق وزوجه بابنته أم الفضل، وصورة كتاب العهد قد ذكرناها
فيما تقدم عند ذكر خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه.
ثم قام من بعده محمد بن إبراهيم بن موسى بن جعفر الصادق وكان داعية لمحمد ابن محمد
المذكور قبله، فاستحكم أمره باليمن وكان له بها وقائع، ثم انتقل إلى خراسان فقتل
بها بجرجان بالسم.
ثم قام محمد بن سليمان بن داود بن الحسن المثنى فخذلته أنصاره، فتوارى بالمدينة إلى
أن مات بها.
ثم قام إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن المثنى في بلاد المغرب بعد أبيه
واستفحل أمره، ثم بقي أولاده إلى الآن أمرهم قائم بالمغرب.
ثم قام القاسم الرسي بن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن المثنى بن
الحسن السبط أيام المأمون أيضاً، وكان القاسم بمصر، وبث دعاته في الأقطار، وحثوه
على إظهار دعوته وكان مستتراً بمصر عشر سنين، فاشتد طلب عبيد الله بن طاهر عامل
المأمون على مصر له فانتقل إلى الحجاز. ولم يزل مختفياً إلى أن مات المأمون وولى
أخوه المعتصم، فكثر طلب المعتصم له فلم يتم أمره، فاستأوى جبلاً بالحجاز وهو المسمى
بالرس وتحصن به هو وأولاده وسكن به إلى أن مات فنسب إليه وكان يقال له نجم آل
الرسول، وكان قيامه سنة عشرين ومائتين، وتوفي سنة ست وأربعين ومائتين في أيام
المتوكل بن المعتصم العباسي.
ثم قام صاحب الطالقان محمد بن القاسم بن علي بن عمر الأشرف بن علي زين العابدين بن
الحسين بن علي بن أبي طالب، وكانت العامة تسميه الصوفي لاختياره لبس الصوف الأبيض،
وكان له وقعات مع آل طاهر بن الحسين أيام المعتصم، وعظم أمره، ودخل بعدها إلى نسأ
وبقي فيها مستتراً، ثم أخذ من نسأ فحبس ثم هرب من الحبس، فاختلفوا في أمره، فقيل
رجع إلى الطالقان، وقيل إلى واسط فدس المعتصم له سماً فمات به.
ثم قام محمد بن جعفر بن يحيى بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن السبط. قيامه
أيام الواثق بن المعتصم غلب على هراة السفلى وملكها، وأولاده بعده إلى سنة تسعين
ومائتين.
ثم قام بعده محمد بن صالح بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن المثنى ابن
الحسن السبط ظهر بسويقة قرية معروفة بقرب المدينة المنورة.
وكان أبو الساج المتولى للموسم من قبل الخليفة المتوكل العباسي في جند كثيف، فخودع
محمد بن صالح حتى لزمه أبو الساج فحبس ب سُرَّمَن رَأى إلى أن مات في السجن، وفي
زمانه انضوى أكثر الأشراف واستتروا وتوقفوا عن إظهار الدعوة.
ثم قام الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي
طالب غلب على طبرستان ونواحي الديلم وملكها أربعين سنة، وتوفي سنة خمسين ومائتين.
ثم قام محمد بن جعفر بن الحسن بن عمر بن علي زين العابدين ابن الحسين بن علي بن أبي
طالب، كان قيامه ببلاد العجم في زمان المتوكل فأسره المتوكل أيضاً.
وقيل: إن من الطالبيين من قام غير هؤلاء في زمن المتوكل وظهر من ظهر واستتر من
استتر وحبس من حبس، وقتل من قتل فلله الأمر سبحانه.
ثم قام يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن علي زين العابدين، ظهر بالكوفة وأحبه
الناس حباً شديداً كان قيامه في خلافة المستعين.
ثم قام الحسين بن محمد بن حمزة بن عبد الله بن الحسين بن علي زين العابدين، فأسره
المستعين وحبسه ومات في الحبس.
ثم قام محمد بن جعفر بن الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن، قيامه في أيام المستعين
بأرمينية وقيل بالكوفة فخودع، وأسر فحبس ومات في الحبس سنة خمسين ومائتين.
ثم قام الكوكبي أحمد بن عيسى بن علي بن الحسين بن علي زين العابدين. قيامه بالكوفة
في خلافة المهدي سنة خمس وخمسين ومائتين.
ثم قام أحمد بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن
المثنى بن الحسن السبط.
قيامه في خلافة المعتمد، وكانت له حروب مع ابن طولون، ثم قتل على باب أسوان وحمل
رأسه إلى المعتمد.
ثم قام الداعي محمد بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن ابن علي بن
أبي طالب سنة سبع وسبعين ومائتين في خلافة المعتضد، وله وقائع قتل في إحداها في
بلاد جرجان.
(2/371)
--------------------------------------------------------------------------------
ثم قام الناصر الأطروش الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر الأشرف بن علي زين
العابدين.
قيامه في الجيل والديلم سنة أربع وثمانين ومائتين، واستفحل أمره إلى أن مات في
خلافة المقتدر سنة أربع وثلاثمائة.
ثم قام الداعي الحسن بن القاسم بن الحسن بن علي بن عبد الرحمن بن القاسم ابن الحسن
بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
كان قيامه بعد الناصر قبله في خلافة الراضي بالله العباسي.
وكان أولاد الناصر قد تملكوا بعد الناصر، وقاتلوا الداعي المذكور، فاستفحل أمر
الداعي، وملك طبرستان ونيسابور والري، ثم توفوا، فصفا له الأمر اثنتي عشرة سنة. ثم
قام ولده المهدي محمد بن الحسن بن القاسم بن الحسن، وكان قيامه أيام المطيع العباسي
سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، فملك الجيل والديلم، ثم توفي سنة ستين وثلاثمائة.
ثم قام الثائر في الله جعفر بن محمد بن الحسين بن علي بن الحسن بن علي بن عمر
الأشرف بن علي زين العابدين، واستفحل أمره إلى أن مات سنة سبع وستين ثلاثماثة.
ثم قام ولده أبو الحسيئ المهدي بن جعفر الثائر بن محمد بن الحسين في خلافة لقادر
بالله العباسي، ولم تطل أيامه ومات بالجدري.
ثم قام من بعده أخوه الحسين بن جعفر الثائر في أيام القادر بالله أيضاً، واستقام
أمره إلى أن مات.
ثم قام أحمد بن الحسين بن هارون بن الحسين بن محمد بن هارون بن محمد بن القاسم بن
الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
قيامه في خلافة القاعر أيضاً سنة ثمانين وثلاثمائة وكانت له وقائع، ولم يزل على
حالته في الحروب إلى أن ملك طبرستان، ثم مات سنة، إحدى عشرة وأربعمائة، وعمره تسع
وسبعون سنة.
ثم قام من بعده أخوه الناطق بالحق أبو طالب يحيى بن الحسين بن هارون بن الحسين،
قيامه في زمان القائم بأمر الله العباسي، واستقام له الأمر إلى أن توفي سنة أربع
وعشرين وأربعمائة وعمره نيف وثمانون سنة.
ثم قام من بعده العقيقي علي بن جعفر بن الحسن بن عبد الله بن علي بن أحمد بن على بن
الحسين بن علي زين العابدين.
قيامه في خلافة القائم أيضاً سنة أربع وأربعمائة.
ثم قام مانلديم سنديم أحمد بن محمد بن علي بن محمد بن الحسن بن محمد ابن أحمد
الأعرابي بن محمد بن الحسن بن علي بن عمر الأشرف بن علي زين العابدين وكان على
منهاج سلفه.
كان قيامه بأنجاشية سنة سبع عشرة وأربعمائة. ووفاته في نيف وعشرين وأربعمائة.
ثم قام الناصر الحسين بن جعفر بن الحسين بن الحسن بن علي بن الناصر الأطروش، سبق
ذكره في جهات الديلم.
ثم قام الموفق بالله الحسين بن إسماعيل بن زيد بن جعفر بن الحسن بن محمد بن جعفر بن
عبد الرحمن ابن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
ثم قام ولده المرشد بالله يحيى بن الحسين بن إسماعيل على منهاج سلفه.
ثم قام أبو طالب يحيى بن أحمد بن الآمر أبي القاسم الحسين بن المؤيد بالله أحمد بن
الحسين بن هارون المتقدم ذكره.
قيامه سنة نيف وتسعين وأربعمائة في خلافة المستظهر العباسي بالجيل والديلم. وكان
حربه مع الباطنية.
وكان بنو العباس يظهرون المحبة إليه. وكانت وفاته سنة عشرين وخمسائة. والذين لم
يعرف تاريخهم وزمان قيامهم: الإمام محمد بن أبي الأعرابي بن محمد بن الحسن بن علي
بن عمر الأشرف بن علي زين العابدين.
والإمام على العراقي بن الحسين بن عيسى بن زيد بن زين العابدين.
والإمام أحمد بن عيسى بن زيد بن زين العابدين.
والإمام الهادي بن المهحي بن الحسن بن عبد الله بن علي بن الحسن بن علي بن أبي
طالب.
والإمام الراضي بالله ناصر بن الحسين بن زيد بن صالح بن محمد بن عبد الله بن محمد
بن عبد الرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
والإمام زيد بن صالح بن الحسن بن زيد بن صالح بن الحسن بن زيد بن صالح ابن عمر
الناصر المذكور.
والإمام علي بن محسن بن أحمد بن عبيد الله بن الحسن السلق بن علي بن محمد ابن الحسن
بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
والإمام الحسين بن محمد بن علي بن جعفر بن عبيد الله بن السلق المذكور وأخوه الإمام
الحسن بن محمد بن علي المذكور.
والذين لم تعرف كيفية اتصال أنسابهم الإمام أشرف بن زيد من ذرية زيد بن الحسن بن
علي بن أبي طالب، مات سنة أربع وأربعين وخمسمائة.
(2/372)
--------------------------------------------------------------------------------
والإمام السيد الأزرقي. والإمام أبو الرها الكيتمي.
وهؤلاء جميعاً في جهات قزوين وطبرستان والجيل والديلم وجرجان والحجاز والعراق
وبالمغرب.
أما الذين ظهروا باليمن خاصة فأولهم: الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين القاسم
بن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم الغمر بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي
طالب. مولده ب " الرس " سنة خمس وأربعين ومائتين.
قيامه في صعدة من بلاد اليمن سنة ثمانين ومائتين.
وقال في تاريخ الخزرجي: قام سنة أربع وثمانين، ودخل صنعاء في المحرم سنة، وثمانين
ومائتين في خلافة المعتضد العباسي.
فاجتمعت همدان وغيرها من قبائل العرب فأخرجوه من صنعاء ثم رجع إلى صعدة وأخذها.
وكان في زمنه قد تغلب علي بن الفضل القرمطي الحميري - ينتهي نسبه إلى سبأ الأصغر -
على اليمن في سنة ثلاث وستين ومائتين، فسار على المذكور بسيرة شنيعة، وأعلن بالكفر
والفجور، وقهر العالم، وأمرهم بارتكاب كل محرم محذور.
كان عنوان كتبه إذا أرسل إلى أحد من الملوك: من باسط الأرض وداحيها ومزلزل الجبال
ومرسيها علي بن الفضل إلى عبده فلان.
وكان مؤذنه يؤذن في حضرته؛ وأشهد أن علي بن الفضل رسول الله.
من شعره ما أنشده الخبيث على منبر جامع صنعاء قوله من المتقارب:
خُذي الدف ياً هذه واضرِبِي ... وغَنَّى هَزَاريكِ ثُم اطْربِي
تولى نَبِي بَنِي هَاشِم ... وَهَذاً نبيُ بَنِي يَعْرُبِ
لكُل نَبِي مَضَى شِرعَةً ... وهَاتَان شرعَةُ هَذاً النَبِي
فقَدْ حَط عَنا فُرُوضَ الصلاَةِ ... وَفَرضَ الصيامِ وَلَمْ يُعْقِبِ
إذاً الناسُ صَلوا فَلاَ تَنهَضِ ... وِإنْ صَومُوا فَكُلِي واشْرَبِي
ولاَ تَطلُبِي السعْيَ عِندَ الصفَا ... وَلاَ زَورَةَ القَبْرِ في يَثْرِبِ
وهذا كاف في بيان مزيد كفره، فحاربه الإمام الهادي المذكور إلى أن مات بصعدة
مسموماً سنة ثمان وتسعين ومائتين في خلافة المقتدر بالله العباسي.
ثم قام ولده المرتضى محمد بن الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم في بلاد صعدة في مكان
أبيه زمن المقتدر العباسي أيضاً فأقام سنة واحدة، ثم تنحى عن الإمامة، فطلب الفقهاء
الزيدية أخاه أحمد بن الهادي يحى بن الحسين بن القاسم طلبوه من الرس، ثم توفي محمد
سنة عشر وثلاثمائة وعمره اثنان وثلاثون سنة.
ثم قام أخوه الناصر لدين الله أحمد بن الهادي يحيى بعد أن دعاه فقهاء الزيدية من
الرس كما ذكر.
وكان قيامه في خلافة المقتدر أيضاً سنة إحدى وثلاثمائة.
ووفاته فيها بصعدة سنة خمس عشرة وثلاثمائة.
ثم قام ولده المنصور يحيى بن أحمد الناصر بن الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم، وكان
مقره صعدة إلى أن توفي سنة ست وسبعين وثلاثمائة.
ثم قام أخوه المختار القاسم بن أحمد الناصر بن الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم.
كان قيامه في صعدة وقتله في زبيد.
ثم قام ولده المنتصر محمد بن القاسم بن أحمد الناصر، وأكثر وقائعه مع همدان، وهي
قبيلة كبيرة باليمن.
ثم قام الداعي يوسف بن المنصور يحيى بن أحمد الناصر بن الهادي يحيى بن الحسين بن
القاسم، فعانده فقهاء مذهبه وأرسلوا الإمام القاسم العياني وتعارضا. كان قيامه سنة
ثمان وستين وثلاثمائة في خلافة الطائع لله العباسي. مدته خمس وثلاثون سنة.
ثم قام المنصور العياني بن علي بن عبد الله بن محمد بن القاسم بن إبراهيم طباطبا.
ولما كان في بيشة من بلاد رفيدة فراسله فقهاء الزيدية، فطلع إلى صعدة ثم تقدم إلى
صنعاء فضبطها.
وتعاقد الإمام يوسف الداعي في مدة العياني.
وكان قيام العياني سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، ووفاته سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة،
وقبره في بلدة يقال لها " العيَّان في طريق صعدة من صنعاء.
ثم قام ولده الحسين بن القاسم العياني، وكان له وقائع مع همدان.
وكان قيامه سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة.
وقتل في ريدة من البون سنة أربع وأربعمائة.
وخلف الحسين المذكور ابن أخيه ويسمى الفاضل، وهو القاسم بن جعفر بن القاسم بن علي
العياني، وكان بينه وبين الصليحي وقعات، ولم يكن إماماً.
(2/373)
--------------------------------------------------------------------------------
ثم قام الإمام أبو هاشم الحسن بن عبد الرحمن بن يحيى بن عبد الله بن الحسين ابن
القاسم بن إبراهيم طباطبا.
وكان قيامه في قرية الناعط فوق، البون ودخل صنعاء.
قيامه سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، ومات بقرية الناعط.
ثم قام الناصر الديلمي، وهو: أبو الفتح الناصر بن الحسن بن محمد بن عيسى ابن محمد
بن عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن علي بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي
طالب، دعا في الديلم ثم خرج إلى أرض اليمن فاستولى على كثير من البلاد مذحج وهمدان
وخولان، وكان وصوله من الديلم في سني الثلاثين وأربعمائة، وكانت الحرب تدور بينه
وبين الصليحي، فقتله الصليحي بنجد الحاج.
وقبره بردمان من بلاد عنس قبل سنة أربع وأربعين وأربعمائة.
ثم قام علي بن زيد بن إبراهيم المليح بن المنتصر بن محمد المختار قاسم بن الناصر بن
الهادي يحيى.
وتقدم إلى شظب لحرب بني الصليحي، فقتل في شظب سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة.
ثم قام أحمد بن سليمان بن محمد بن المطهر بن علي بن الناصر بن الهادي يحيى، وولى
صعدة ونجران والجوف وصنعاء، وقصد زبيد فرجع بغير حصول مرامه في سنة ثلاث وخمسين
وخمسمائة.
مات بحيدان من مغارب صعدة وعمره ست وستون سنة.
ثم قام المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن سليمان بن حمزة بن علي بن حمزة بن أبي
هاشم الحسن بن عبد الرحمن بن يحيى بن عبد الله بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم
طباطبا فملك صعدة وتقدم إلى صنعاء، وكان يقف في كوكبان بعد ما أخرجوه من صنعاء، ثم
خلطوا عليه فمات فيها.
قيامه سنة أربع وتسعين وخمسمائة، ووفاته سنة أربع عشرة وستمائة.
ثم قام الداعي يحيى بن المحسن بن محفوظ بن محمد بن يحيى بن يحيى بن الناصر بن الحسن
بن عبد الله بن المنتصر محمد بن المختار قاسم بن الناصر أحمد ابن الهادي، قام في
بلاد خولان وصعدة.
وفي مدينة صعدة ولد المنصور محمد بن المنصور، فحارب الداعي، مات سنة ست وثلاثين
وستمائة.
ثم قام المهدي أحمد بن الحسين بن القاسم بن عبد الله بن القاسم بن أحمد بن إسماعيل
بن أحمد بن القاسم بن إبراهيم طباطبا، قام في حصن ثلا فحاربه ولده المنصور، ثم
اتفقا، ثم تعاديا فتحاربا فقتل الإمام.
وكان قيامه في صفر سنة ست وخمسين وستمائة، وكانت هذه السنة هي انتهاء دولة بني
العباس بالعراق؛ لأنها هي السنة التي قتل التتار فيها الخليفة المستعصم العباسي كما
قدمت ذلك مستوفي في بابهم.
ثم قام المنصور بدر الدين محمد بن أحمد بن يحيى السابق ذكره، فقام من هجرة قطابر
وملك مغارب صعدة.
وكان بينه وبين أولاد المنصور محاربات. فقتل سنة ست وخمسين وستمائة.
ثم قام المهدي بن إبراهيم بن تاج الدين أحمد بن بدر الدين محمد بن أحمد بن يحيى بن
يحيى. قيامه سنة سبعين وستمائة.
أسره فحبسه الملك المظفر الغساني في سنة أربع وسبعين وستمائة، ومات في الحبس سنة
ثمانين وستمائة.
ثم قام المتوكل المطهر بن يحيى بن المرتضى بن القاسم بن المطهر بن محمد بن المطهر
بن علي بن أحمد بن الهادي.
قيامه سنة ست وسبعين. ومات سنة سبع وثمانين وستمائة.
ثم قام ولده المهدي بن محمد بن محمد بن المطهر بن يحيى بن المرتضى بن القاسم.
قيامه سنة إحدى وسبعمائة. مات سنة ثمان وعشرين وسبعمائة.
ثم قام السراجي يحيى بن أحمد بن محمد بن عبيد الله بن سراج الدين الحسن بن محمد بن
عبد الله بن سراج الدين الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن محمد بن عبد
الله بن الحسن بن علي بن محمد بن جعفر بن عبد الرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن
الحسن بن علي بن أبي طالب.
ثم قام المؤيد يحيى بن حمزة بن علي بن إبراهيم بن يوسف بن علي بن إبراهيم بن محمد
بن أحمد بن إدريس بن جعفر بن علي بن محمد بن علي بن موسى الكاظم بن جعفر بن محمد بن
علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
قيامه سنة تسع وعشرين وسبعمائة. مات سنة تسع وستين وسبجمائة. عمره ثمانون سنة.
ثم قام بعده علي بن صلاح بن إبراهيم بن تاج الدين أحمد بن بدر الدين محمد بن أحمد
بن يحيى بن يحيى ثم قام بعده الواثق المطهر بن محمد بن المطهر بن يحيى ابن المرتضى
بن القاسم بن المطهر بن محمد بن المطهر من أولاد سابق الذكر.
(2/374)
--------------------------------------------------------------------------------
ثم قام أحمد بن علي بن مدافع بن محمد بن عبد الله بن محمد بن الحسين الديلمي. سبق
ذكر نسبه.
ثم قام المهدي علي بن محمد بن علي بن يحيى بن منصور بن مفضل بن الحجاج بن عبد الله
بن علي بن يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم الغمر
بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب.
قيامه سنة خمس وخمسين وسبعمائة. وفاته سنة أربع وسبعين وسبعمائة. عمره تسع وستون
سنة.
ثم قام من بعده ولده الناصر صلاح الدين بن المهدي بن علي بن محمد بن علي.
قيامه سنة أربع وسبعين وسبعمائة. وفاته سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة.
ثم قام من بعده المهدي أحمد بن يحيى بن المرتضى بن أحمد بن المرتضى بن فضل بن
الحجاج.
قيامه سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة. وفاته سنة أربعين وثمانمائة.
ثم قام من بعده الهادي علي بن المؤيد بن جبريل بن المؤيد بن أحمد بن يحيى بن حمد بن
يحيى بن يحيى سنة ست وتسعين وسبعمائة. وفاته سنة ست و ثمانين ثمانمائة.
ثم قام من بعده المطهر بن محمد بن حمزة بن أبي هاشم الحسن بن عبد الرحمن ابن يحيى
بن عبد الله بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل.
ثم قام من بعده صلاح بن علي بن محمد بن أبي القاسم بن محمد بن جعفر بن محمد بن
الحسن بن جعفربن الحسين بن أحمد بن يحيى بن عبد الله بن يحيى بن المنصور بن أحمد بن
الناصر بن الهادي.
ثم قام الناصر بن محمد بن الناصر بن أحمد بن المطهر بن يحيى بن المرتضى بن المطهر
بن القاسم بن المطهر بن محمد بن المطهر بن علي بن أحمد بن الهادي.
ثم قام الهادي عز الدين بن الحسن بن علي بن المؤيد بن جبريل بن المؤيد بن أحمد بن
يحيى بن أحمد بن يحيى بن يحيى بن الناصر بن الحسن بن عبد الله بن محمد بن القاسم بن
الناصر بن أحمد بن الهادي يحيى.
قيامه سنة ثمانين وثمانمائة. وفاته سنة تسع وعشرين وتسعمائة. عمره سبع وستون سنة.
ثم قام ولده مجد الدين بن الحسن بن الحسن بن عز الدين بن الحسن بن علي بن المؤيد.
قيامه سنة تسع وعشرين وتسعمائة. وفاته سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة.
ثم قام الوشلي محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن علي بن أحمد بن يحسى بن محمد بن أحمد
بن محمد بن عبد الله بن سراج الدين الحسن بن محمد بن عبد الله ابن الحسن بن علي بن
محمد بن جعفر بن عبد الرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد الن الحسن بن علي بن أبي
طالب.
ثم كانت دعوة الإمام شرف الدين يحيى بن شمس الدين ابن الإمام المهدي أحمد ابن يحيى
بن المرتضى بن أحمد بن المرتضى بن المفضل بن الحجاج بن علي بن يحيى بن القاسم بن
يوسف الداعي بن يحيى بن أحمد بن الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن
إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنهم -
حادي عشر جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وتسعمائة، وكان أول ظهوره بجهات المغرب من
جهات صنعاء، وما ساعدته القبائل لقوة سلطان اليمن إذ ذاك عامر بن عبد الوهاب.
فلما انقضت دولته باستيلاء الشراكسة، وتملكهم أرض اليمن كانت بصنعاء طائفة من
الشراكسة فكاتب أهل صنعاء الإمام شرف الدين المذكور، وتكفلوا له بإدراك ذلك سنة
أربع وعشرين وتسعمائة.
وفي شوال قصد صنعاء فلما وصل إليها مال إليه أهلها، وأخرج من كان فيها من الجند
المصري بالأمان، ودخل صنعاء، ودانت له البلاد إلى أن كانت وفاته سنة خمس رستين
وتسعمائة في دولة السلطان سليمان خان بن سليم خان.
ثم قام الهادي أحمد بن عز الدين بن الحسن بن عز الدين بن الحسن بن علي بن المؤيد.
قيامه سنة ثمان وخمسين وتسعمائة، ووفاته سنة سبع وثمانين وتسعمائة. ثم قام الناصر
الحسن بن علي بن داود بن الحسن بن علي بن المؤيد.
قيامه سنة ست وثمانين وتسعمائة.
ثم قبض عليه الوزير حسن باشا سنة ثلاث وتسعين وتسعمانة وأرسله إلى الأبواب العالية
سنة أربع وتسعين وتسعمائة.
ثم قام المتوكل عبد الله بن علي بن الحسين بن عز الدين بن الحسن بن علي بن المؤيد.
قيامه سنة أربع وتسعين وتسعمائة. وفاته سنة سبع عشرة وألف.
(2/375)
--------------------------------------------------------------------------------
ثم قام المنصور بالله القاسم بن محمد بن علي بن محمد بن الرشيد بن أحمد بن الحسين
بن علي بن يحيى بن محمد بن يوسف الأشل بن القاسم بن محمد بن يوسف الأكبر بن المنصور
بن يحيى بن الناصر بن أحمد بن الهادي إلى الحق يحيى ابن الحسين بن القاسم بن
إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
نشأ منشأ ابائه الأئمة حتى بذ بعلمه وبهر بجودة فهمه، وصار في أيام طلبه يشار إليه،
مقصورة خلال الخلافة عليه. كانت دعوته في صفر الخير سنة ست وألف. وله وقائع في
أيامه مشهورة، ومواطن معروفة مأثورة. كان آية في العلوم، ومعجزة في المنطوق
والمفهوم.
له التصانيف المشهورة، والنظم والنثر. وكان محط رحال الأفاضل، ومقصد الأكابر من كل
قنة وساحل.
ولم يزل قائماً بأعباء الخلافة حتى توفاه الله تعالى في شهر ربيع الأول عام تسع
وعشرين وألف.
ثم قام من بعده ولده الإمام العظيم المؤيد بالله محمد بن أمير المؤمنين المنصور
بالله القاسم بن محمد، وظهرت فضائله في البلاد، وأذعن لفضله الحاضر والباد، وأوتي
من الإحاطة بالعلوم، وصدق الفراسة، وتنوير القلب، وصفاء الخاطر، ما لم يؤت غيره،
وأقبلت عليه الفتوحات من كل وجهة، وقام بنصرته أخواه السيدان الإمامان الحسن
والحسين وأخوهما شمس الإسلام أبو طالب ابن الإمام المنصور. وفي سنة خمس وأربعين
وألف استولى الإمام المؤيد المذكور على جميع إقليم اليمن ما عدا زبيد والمخا، وذلك
أن الباشا قانصوه لما توجه إلى اليمن عام تسع وثلاثين بعد أن قتل الشريف أحمد بن
عبد المطلب وولي مسعود بن إدريس صار كلما دخل قرية ظلم أهلها ونهبهم أرسل إلى
عابدين باشا، وخنقه واستولى على خزائنه، وعساكره، ونهب البلد، ونهب من يرد إليه من
البنادر، وأرسل أغربة في البحر يأخذون من ظفروا به، واغتصب أماكن مأثورة وعمرها
بزخارف في الصورة، فآلت أمواله إلى يد العدى " ولايَظلِمُ رَبُّكَ أحدا " الكهف:
49. والتقى عسكره مع عسكر الإمام المؤيد محمد بن القاسم صاحب الترجمة، وعليهم أخوه
الإمام الحسين بن القاسم، وكمنوا له ثم هجموا عليهم، وهم غارون، فقتلوا من عسكر
قانصوه أكثرهم، ولم ينج منهم إلا القليل، وتحصن هو ومن بقي بزبيد، فتنزل عليه أخوه
الآخر الإمام الحسن بعساكر كثيرة، وحاصروا زبيد، وأنفق قانصوه ما حازه من الأموال
على عسكره، ثم صاروا يهددونه، ويعزرونه لضيق أرزاقهم، فتعب لذلك وكاتب الإمام الحسن
على أن يصل إليه آمناً، فأرسل الحسن له بالأمان، فركب هو وخواصه وأظهر أنه يريد
زيارة بعض الأولياء وهرب إلى محطة الإمام الحسن فأكرمه وجهزه إلى مكة. فرجع راضياً
من الغنيمة بالإياب لا يملك إلا ما عليه من الثياب، فوصل إليها في دولة مولانا
المرحوم الشريف زيد بن محسن ومعه من أتباعه دون العشرين، ونزل بحوش السلطان في
الكوشك المطل على البركة المعروفة ببركة الشامي، فحصل من أتباعه نوع تَعدٍ إلى بعض
الرعايا فألزمه مولانا الشريف زيد بالرحيل من يومه، وأحضر له الرحلة، فلم تغرب عليه
شمس ذلك اليوم في مكة، ولما تحقق عسكره فراره عنهم بتلك الحيلة أقاموا عليهم أميراً
منهم يقال له مصطفى فضبط زبيد، واستمر محاصراً فوق سنتين منتظراً المدد يأتيه من
مصر فلم يصل إليه شيء، ولما سئم طلب الأمان فأعطاه الإمام الأمان وجهزه بعشرين ألف
قرش، فخرج إلى مكة سنة تسع وأربعين وألف ومعه المحمل اليماني السلطاني، ووضع بالقبة
المبنية في محل سقاية العباس بالمسجد الحرام.
قلت: قد رأيته كثيراً ملقى في القبة المذكورة عام سبع وستين وألف، وهو أكبر من
المحمل المصري شكلاً. ومن عامئذ استبدت الأئمة الزيدية بالممالك اليمنية، وقضت ما
في نفسها من الأمنية، فهم حتى اليوم ولاتها حزناً وسهلاً، ورؤساؤها فتي وكهلاً.
وأخرجوا جميع الأروام منها، وكفوا أكف المتغلبين عنها، بعد أن قتلوهم القتل الذريع.
وتركوهم بين سليب وصريع.
وفي سنة ثمان وأربعين كانت وفاة أخيه السيد الحسن ابن الإمام القاسم وهو والد أحمد
بن الحسن.
وكان أخوه الإمام محمد المؤيد صاحب الترجمة يقدمه على العساكر في الحروب كلها رحمه
الله، واستمر الإمام المؤيد إلى أن حانت وفاته وانقضت أوقاته في سابع عشري رجب
الفرد سنة أربع وخمسين وألف.
(2/376)
--------------------------------------------------------------------------------
ثم قام من بعده أخوه الإمام الشهير المتوكل على الله إسماعيل ابن الإمام المنصور
بالله القاسم بن محمد بن علي بن محمد بن الرشيد بن أحمد.
وقد تقدم بقية نسبه إلى علي بن أبي طالب في ترجمة والده المنصور بالله القاسم. كانت
له الكرامات الظاهرة، والمفاخر السائرة، مع الإحاطة بجميع العلوم.
وأقبلت الفتوحات إليه من كل أوب، وجاءت إليه الوفود من كل أرض وصوب.
أرخ ابتداء دعوته السيد ناصر بن عبد الحفيظ بن عبد الله المهلا فقال من الخفيف:
وتَوَكل عَلَى العَزِيزِ الرحِيمِ ... عَزَّ تاريخُ دَعْوَةِ من كَريمِ
آية يُعرَفُ التوَكلُ مِنهَا ... مَعَهُ العِز للإمامِ الكريمِ
وأرخه أيضاً نثراً فجاء التاريخ " توكلت على الله وحده أبداً " .
وفي سنة ست وخمسين: جهز ابن أخيه أحمد بن الحسن إلى حضرموت، فوصل إلى الجوف،
واستولى عليه الخوف، فرجع مكسوراً، وفي سنة ثمان وخمسين: استولى بدر بن عبد الله
الكثيري على حضرموت وقبض على عمه السلطان بدر بن علي، وسببه أنه ظلم وتعدى الحدود،
فأشار بعض السادة على بدر عبد الله بالقبض على عمه، فهجم عليه ليلاً وحبسه هو
وأولاده.
وفي سنة خمس وستين جهز الإمام إسماعيل ابن أخيه الإمام أحمد بن الحسن على حضرموت
ونواحيها لكونهم لم يخطبوا له، فالتقى هو والأمير حسين الرصاص لكون بلده أقرب
البلدان إلى دولة الإمام إسماعيل وحصل منهم قتال، فلما عجز الإمام أحمد بن الحسن
أرسل إلى قبيلة يافع - وهم قبائل كثيرون - بالأموال خفية وطلب منهم أن يكونوا معه
على الرصاص ووعدهم بأشياء كثيرة فاغتروا بكلامه، وتجهزوا على الرصاص، وأتوه على
غرة، وبقي الرصاص بين الإمام أحمد، وبين قبائل يافع، فأبلى بلاء شديداً حتى قتل
شهيداً وتولى أخوه، وأرسل أحمد بن الحسن يرهبه، ويرغبه، والتزم له بجميع ما يطلبه،
فطلب أشياء كثيرة فوفي له الإمام أحمد بها وملك البلاد.
وقبيلة الرصاص مشهورة بالشجاعة والكرم والصدق ولذلك كانوا مجللين محترمين، واستولى
الزيدية على غالب حضرموت. ثم في سنة سبعين استولى على حضرموت كلها وأمرهم أن يزيدوا
في الأذان " حي على خير العمل " وترك الترضي عن الشيخين، ومنع الدفوف واليراع في
راتب السقاف. وانتهت دولة آل كثير من تلك الديار وقد انتهى صعود شرف آل كثير
بالسلطان عبد الله بن عمر، وفي المثل: إذا تم شيء بدأ نقصه؛ فإنه لما خلع نفسه
لعبادة ربه عن الملك الفاني، وصار إبراهيم بن أدهم ثاني، وتولى أخوه بدر الدين بن
عمر، وفي آخر دولته ظلم وطغى، فهجم عليه ابن أخيه بدر الدين بن عبد الله وحبسه
فدانت له العباد، وعمرت به البلاد إلى أن ظلم بالعدوان وصادر السادة والأعيان،
ففوقوا إليه سهام الدعاء، فقدر الله أن كتب عمه المحبوس بدر بن عمر وهو بالحبس إلى
الإمام إسماعيل وهون له أمر حضرموت، فكتب الإمام إسماعيل إلى السلطان بدر بن عبد
الله لإخراج عمه بدر بن عمر من الحبس فأخرجه، ثم اتصل بالإمام وطلب منه التجهيز على
حضرموت وتكفل له بأشياء وساعده على ذلك الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن العمودي شيخ
العموديين وكان والده على أكثر وادي دوعن، فكاتبوا مشايخ العرب وأرسلوا لهم
بالأموال، وصار إليه أحمد بن الحسن، فلما التقى الجيشان، انكسر جيش السلطان بدر،
ولم يقاتل معه إلا خواصه، ثم انهزم منكسراً وولى مدبراً إلى جبل أخواله فطلب الأمان
لنفسه فأعطيه. ولما لم يطب لأحمد بن الحسن المقام بحضرموت أقام بها بدر بن عمر
الكثيري ورجع إلى عمه الإمام إسماعيل صاحب الترجمة. ثم لم يزل الإمام إسماعيل
قائماً بأعباء الإمامة الكبرى إلى أن توفاه الله تعالى إلى رحمته سنة 87 سبع
وثمانين.
ثم قام بعده ابن أخيه الإمام الشهير أحمد بن الحسن ابن الإمام القاسم ولقب المهدي
لدين الله، فقام بأمر الخلافة أحسن قيام. وانتظم به الأمر أتم نظام.
وكانت حضرته محط رحال العلماء الأعلام. وفي أثناء دعوته دعا ابن عمه مولانا علم
الإسلام وإمام علماء الآل الكرام القاسم ابن الإمام المؤيد بالله، وخطب له على سابر
الشرفين والأهنوم وشهارة وظليمة ولحج وأكثر التهائم، وبعد أمور كثيرة يطول شرحها
حصل الاتفاق على إمامة المهدي لدين الله هذا.
(2/377)
--------------------------------------------------------------------------------
وهو - أيده الله - من أعيان العترة كرماً وشجاعة وتفقداً للمساكين وتعظيماً
للعلماء، ومستقره شهادة المحروسة، واستمر إلى أن كانت وفاته في شهر جمادى الأخرى
سنة اثنتين وتسعين وألف.
ثم قام من بعده الإمام العظيم المؤيد بالله رب العالمين محمد الملقب بالعزي ابن
أمير المؤمنين المتوكل على الله إسماعيل بن المنصور بالله القاسم بن محمد بن علي
ابن محمد بن الرشيد، اتفق على خلافته رأى علماء العصر، وفضلاء الدهر، وغمر الناس
برد ظل عدله، وسار سيرة الأئمة الهادين، وأمر بإحياء العلوم والمدارس، مقرباً
للعلماء، متعهداً لأحوال الفضلاء، مؤدياً لحقوق الضعفاء. متبعاً في أمره ونهيه
لكتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقام من إخوته وبني عمه بنصرته
عظماء كالإمام القاسم ابن الإمام المؤيد بالله، وكأخويه الحسن ابن الإمام المتوكل
وعلى ابن الإمام المتوكل، ومن بني عمه السيدان العظيمان جمال الإسلام محمد ابن
الإمام أحمد المهدي وشرف الإسلام الحسين ابن الإمام المهدي أيدهما الله تعالى،
واستمر على سرير الخلافة، وما استطاع أحد خلافه، إلى أن ورد إلينا خبر وفاته أواسط
سنة 1097 سبع وتسعين وألف.
ثم كثر الشجار في كل ناحية، وطلبها عمة أشخاص في أماكن متناحية، ووقعت حروب وأهوال،
وفنيت أموال وأبطال، حتى استقر عمود رحاها، وأسفر بدر ديجور رجاها، عن جمال وجودها
الأمجد أمير المؤمنين الناصر لدين الله محمد بن أحمد، فهو الآن الخليفة بهذا الزمن،
في هذا القطر الشريف أعني قطر اليمن " إنَّ اَلأَرضَ للهِ يوُرِثُها مَن يشاء مِن
عِبَادِه وَالعَاقِبَةُ لِلمُتقِين " الأعراف:128: من مجزوء الرجز:
سِلسلَة مِنْ ذَهَبِ ... مَنُوطَة بِالشُهُبِ
أكْرِمْ بِهاً سِلسِلَةً ... بَيْنَ وَصِي ونَبِي
قَدْ صَانَهاً رَبُّ السمَا ... مِنْ شَائِبَاتِ النسَبِ
وصلى الله على من لا نبي بعده خاتم النبيين، وآله الطيبين الطاهرين، وصحبه الهداة
المهتدين.
الباب الثالث من خاتمة الخير:
في ذكر من ولي مكة المشرفة من آل أبي طالب
إلى يوم تاريخه ولمع من أخبارهم، ونوادر حوادث أيامهم:
مكة زادها الله شرفاً، أشهر من أن تعرَف أو أن يصفها واصف، ألا أنها انقرض سكانها
من قريش بعد المائة الثانية بالفتن الواقعة بالحجاز من العلوية مرة بعد أخرى،
فأقفرت من قريش ولم يبق بها ألا أتباع بني حسن أخلاط من الناس، ومعظمهم موالي سود
من الحبشة والزيلع.
وكان أول من وليها بعد الفتح المحمدي عتاب بن أسيد باستخلاف محمد صلى الله عليه
وسلم بعد الفتح، حين عزمه إلى غزوة حنين عام ثمان من الهجرة. والخلفاء الأربعة، ثم
خلفاء بني أمية وعمالهم، ثم خلفاء بني العباس، وتعداد عمالهم فرداً فرداً مبسوط في
التواريخ لا حاجة بنا إليه، وكان في خلال ذلك يتغلب بعض الطالبيين والعلويين عليها.
فأول من وليها منهم بالتغلب محمد بن الحسن بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي
طالب عاملاً عليها، ومؤمرّاً من جهة محمد المهدي الملقب بالنفس الزكية ابن عبد الله
المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب، فإنه لما تغلب على
المدينة الشريفة سنة خمس وأربعين ومائة في دولة المنصور العباسي، أمر على مكة محمد
بن الحسن هذا وسيره إليها.
فخرج إليه السري بن عبد الله بن الحارث بن العباس بن عبد المطلب أمير مكة من جهة
المنصور، فتحاربا بأذاخر فهزم السري، ودخل محمد مكة، فأقام بها يسيراً، فأتاه كتاب
محمد النفس الزكية يخبره بمسير عيسى بن موسى لمحاربته، ويأمره بالمسير إليه، فسار
محمد بن الحسن إليه من مكة، هو والقاسم بن إسحاق فبلغه وهو سائر بنواحي قديد قتل
النفس الزكية فهرب هو وأصحابه وتفرقوا، فلحق محمد بن الحسن لإبراهيم بن عبد الله
المحض حتى قتل إبراهيم.
ذكر هذا ابن الأثير، ورجع السري إلى ولاية مكة.
ثم وليها كذلك بالتغلب سنة 169 تسع وستين ومائة في دولة الهادي بن الرشيد الحسين بن
علي بن الحسن المثلث بن الحسن المثنى بن الحسن السبط.
وقد تقدم خبره في الباب قبل هذا عند ذكر الدعاة.
(2/378)
--------------------------------------------------------------------------------
ثم وليها كذلك بالتغلب الحسين بن الحسن الأفطس بن علي الأصغر بن علي زين العابدين
بن الحسين بن علي بن أبي طالب - وهو المعروف بالأفطس - وذلك في خلافة المأمون سنة
199 تسع وتسعين ومائة، وسببه أن أبا السرايا السري بن منصور الشيباني داعية ابن
طباطبا لما تغلب على العراق ولي مكة الحسين بن الحسن الأفطس هذا، فسار إلى أن وصل
وادي سرف المعروف في وقتنا اليوم بالنوارية على نصف مرحلة من مكة فتوقف عن الدخول
إلى مكة خشية من أميرها من جهة المأمون، وهو داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي
بن عبد الله بن عباس، فلما بلغ داود توجيه أبي السرايا للحسين الأفطس فارق مكة هو
ومن بها من شيعة بني العباس.
فلما بلغ الحسين خروج داود دخلها ليلة عرفة فطاف وسعى، ثم مشى إلى عرفة فوقف ليلاً،
ثم دفع إلى المزدلفة فصلى بالناس الصبح، ثم دفع إلى منى، فلما انقضى الحج عاد إلى
مكة.
فلما كان مستهل محرم الحرام افتتاح سنة 200 مائتين نزع الحسين المذكور كسوة الكعبة
التي كانت عليها من قبل المأمون ثم كساها كسوتين أنفذهما معه أبو السرايا من قز
إحداهما صفراء والأخرى بيضاء، ثم عمد الأفطس إلى خزانة الكعبة، فأخذ جميع ما فيها
من الأموال فقسمها مع كسوة الكعبة على أصحابه، وهرب الناس من مكة؛ لأنه كان يأخذ
أموالهم ويزعم أنها ودائع لبني العباس عندهم ولما هرب الناس هدم دورهم، فكرهه الناس
لظلمه، وطغى أصحابه وبغوا، وقلعوا شبابيك البيوت الحديد التي على المسجد وباعوها
حتى قلعوا شبابيك زمزم، ولم يزل كذلك على ظلمه إلى أن بلغه قتل مرسله أبي السرايا
سنة مائتين، فلما علم بذلك ورأى الناس قد تغيروا عليه لما فعله معهم من القبيح
واستباحة الأموال، جاء هو وأصحابه إلى محمد بن جعفر الصادق الملقب بالديباجة لجمال
وجهه وسألوه المبايعة له بالخلافة فكره ذلك، فاستعان الأفطس عليه بولده علي بن محمد
بن جعفر الصادق ولم يزالوا به حتى بايعوه بالخلافة، وذلك في ربيع الأول سنة مائتين،
جمعوا الناس على بيعة محمد طوعاً وكرهاً، وبقي أشهراً وليس له من الأمر شيء، وإنما
ذلك للأفطس ولابنه علي بن محمد وهما على أقبح سيرة مع الناس، ووثب الأفطس على امرأة
جميلة فانتزعها قهراً من زوجها، وعلي بن محمد أخذ ابن قاضي مكة وحجزه عنده.
فلما رأى الناس ذلك اجتمعوا بالمسجد الحرام، وقالوا لمحمد بن جعفر إن لم تحضر
المرأة والصبي خلعناك، فأغلق بابه خوفاً من العامة وكلمهم من الشباك، ثم طلب الأمان
ليخرج يخلصهما، فأعطى فخرج وخلص الصبي من ابنه علي، والمرأة من الأفطس. كذا ذكره
الأزرقي.
قلت: عندي في صحة هذين الأخذين نظر، خصوصاً أخذ ابن الديباجة ابن قاضي مكة، فالنفس
أبته كل الإباء، والله أعلم.
فلم تكن ألا مدة يسيرة حتى قدم إسحاق بن موسى العباسي من اليمن فاراً من إبراهيم بن
موسى الكاظم بن جعفر الصادق، فنزل بالمشاش، واجتمع إليه جماعة من أهل مكة هربوا من
العلويين، واجتمع الطالبيون إلى محمد بن جعفر المذكور، وجمع الناس من الأعراب
وغيرهم وحفروا خندقاً وقابلهم إسحاق، ثم كره القتال، فسار إلى نحو العراق فلقيه جند
أنفذهم هرثمة بن أعين قائد المأمون، وكان فيهم الجلودي وورقاء بن جميل فقالا
لإسحاق: ارجع معنا ونحن نكفيك القتال، فرجع معهما، ولقيهم محمد بن جعفر والطالبيون
ببئر ميمونة، وقد انضم إلى محمد غوغاء مكة وسواد البادية، فلما التقى الفريقان قتل
جماعة ثم تحاجزوا ثم التقوا من الغد، فانهزم محمد والطالبيون ومن معهم، ثم طلب محمد
الأمان من الجلودي وألا أجلة ثلاثة أيام، فآمنه وأجله، ثم خرج من مكة، ودخل الجلودي
مكة بالجيش في جمادى الآخرة من السنة المذكورة أعني سنة 200 مائتين.
(2/379)
--------------------------------------------------------------------------------
وتوجه الديباجة إلى بلاد جهينة فجمع منها جيشاً وسار إلى المدينة، وقاتل واليها من
جهة المأمون وهو هارون بن المسيب، فانهزم الديباجة أيضاً، وفقئت عينه بنشابة، وقتل
من عسكره خلق كثير، ثم عاد إلى مكة وطلب الأمان من الجلودي، فآمنه فدخل مكة في
أواخر ذي الحجة من السنة المذكورة فأصعده الجلودي المنبر، والجلودي فوقه بمرقاتين
عليه قباء أسود، فاعتذر محمد بأنه إنما وافق على المبايعة؛ لأنه بلغه موت المأمون،
ثم قدم على المأمون بمرو واعتذر واستعفى، فقبل عذره وعفا عنه وأكرمه، فلم يلبث
قليلاً حتى مات فجأة بجرجان، فصلى عليه المأمون، ونزل في لحده وقال: هذه رحم قطعت
مذ سنين.
وكان موته في شعبان سنة ثلاث ومائتين. وسبب موته على ما قيل أنه جامع وافتصد ودخل
الحمام في يوم واحد.
وفي موسم سنة 202 اثنتين ومائتين وليها كذلك بالتغلب إبراهيم بن موسى الكاظم ابن
جعفر، جاء إليها من اليمن وعليها إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي، فلما سمع بوصوله
خندق عليها وبنى سوراً على الجبال دائراً بالبنيان.
وكان في السنة التي قبلها سنة إحدى ومائتين وصل إلى مكة صنم من ذهب على صورة إنسان
لملك من ملوك الهند، أرسل به إلى الكعبة، وعلى رأس الصنم تاج مكلل بالجوهر والياقوت
والزبرجد، والصنم جالس على سرير من فضة وعلى السرير أنواع الفرش من الحرير
والديباج، فوضع السرير عليه الصنم في وسط المسعى ثلاثة أيام ومعه معرِّف لمن كان له
هذا الصنم وأنه أسلم وأرسل به هدية للكعبة فاحمدوا الله تعالى أن هداه للإسلام. ثم
أخذ أمير مكة العباسي المذكور ذلك الصنم من الحجبة قهراً وضربه دنانير وأنفقها على
العسكر، وحارب إبراهيم بن موسى فكسر الأمير وهرب ودخل إبراهيم بن موسى مكة.
ثم وليها في سنة خمسين ومائتين في خلافة المستعين بالتغلب أيضاً إسماعيل بن يوسف
الأخيصر بن إبراهيم بن موسى الجون بن عبد الله المحض بن الحسن بن الحسن بن علي بن
أبي طالب، فهرب منها عامل المستعين، وهو جعفر بن الفضل ابن عيسى بن موسى بن محمد بن
علي بن عبد الله بن العباس المعروف بشاشات، قتل إسماعيل الجند الذين بمكة وجماعة من
أهلها.
ونهب منزل جعفر شاشات وغيره وأخذ من الناس نحو مائتي ألف دينار، وعمد إلى الكعبة
الشريفة فأخذ كسوتها، وما جدد في خزانتها من الأموال، وما كان أعد من المال لإصلاح
العين، ونهب مكة وأحرق بعضها، ثم خرج منها بعد مقامه بها خمسين يوماً في شهر ربيع
الأول، وقصد المدينة الشريفة فتوارى عنه عاملها فظلم أهلها، وأخرب دورهم، وعطلت
الجماعة من مسجده عليه الصلاة والسلام أكثر من نصف شهر، ثم رجع إلى مكة فحصر أهلها
حتى ماتوا جوعاً وعطشاً وبلغ الخبز ثلاث أواق بدرهم واللحم رطل بدرهم والشربة الماء
بثلاثة دراهم، ولقى أهل مكة منه بلاءً شديداً.
ثم سار إلى جدة فحبس عن الناس الطعام وأخذ أموال التجار وأصحاب المراكب، ووافى
الموقف والناس بعرفات فقتل من الحجاج نحواً من ألف ومائة نفس فهرب الحجاج ولم يقف
بعرفة أحد ليلاً ولا نهاراً سوى إسماعيل وعسكره، ثم بعد انفصاله من عرفة رجع إلى
جدة ثانياً وأفنى أموالها وفعل أموراً قبيحة لا حاجة بنا إلى ذكرها. كذا ذكره
العلامة ابن جار الله، وقبله التقى الفاسي في تاريخه شفاء الغرام. انتهى.
قلت: لا يظن ظان أن صدور هذا الفعل وشبهه من مثل هؤلاء السادة لنقص في دينهم
واختلال في يقينهم حاشا وكلا، وإنما ذاك والله أعلم مما جرَت إليه الحمية والأنفة
والشهامة التي تناسب أقداسهم من استيلاء ولاة الجور على ما هم الأحقون به، فيقصدون
بذلك ثلم وجوههم وتفريق جموعهم ما أمكن لتعديهم بأصل الدخول في الخلافة، ولم ينعقد
إذ ذاك إجماع على حرمة الخروج على أئمة الجور، فقدى أفتى الإمام أبو حنيفة بجواز
الخروج على أبي جعفر المنصور منهم، وكذلك الإمام مالك رحمهما الله تعالى، وإنما
انعقد الإجماع على ذلك بعد زمنهم بكثير هذا ما ظهر لجامعه الفقير. على إني أعلم أن
هذا الجواب ينسب إلى الإقناع، فلا يكن منك أيها الناقد لرأس الاعتراض إقناع.
ولم يزل العمال عليها من بني العباس وشيعتهم والخطبة بها لهم إلى أن اشتغلوا بالفتن
أيام المستعين والمعتز وما بعدهما، فحدثت الرئاسة فيها لبني سليمان بن داود ابن
الحسن المثنى بن الحسن السبط.
ذكر دولة السليمانيين(2/380)
--------------------------------------------------------------------------------
ومنهم آل أبي الطيب:
قال ابن خلدون: وكان كبيرهم آخر المائة الثانية محمد بن سليمان، وليس هو سليمان بن
داود بن الحسن المثنى؛ لأن ذاك ذكر ابن حزم أنه قام بالمدينة أيام المأمون وبين
العصرين نحو مائة سنة فيبعد أن يكون محمد بن سليمان هذا هو محمد بن سليمان بن داود
القائم بالمدينة، ألا أنه من ولده.
كان أول من خطب لنفسه منهم بالإمامة محمد بن سليمان سنة 301 إحدى وثلاثمائة أيام
المقتدر العباسي وخلع طاعة العباسية وخطب في الموسم فقال: الحمد لله الذي أعاد الحق
إلى نظامه، وأبرز زهر الإيمان من أكمامه، وكمل دعوة خير الرسل بأسباطه لا ببني
أعمامه. صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين. وكف عنهم ببركته إساءة المعتدين. وجعلها
كلمة باقية في عقبه إلى يوم الدين. ثم أنشد: من المجتث:
لأَطلُبَنَّ بِسَيْفِي ... مَاكَاَن لِلحَقِّ دَينَا
وأَسْطُوَن بِقَوْمٍ ... بَغَوا وجَارُوا عَلينَا
يُهدُونَ كُل بَلاَءٍ ... مِنَ العِرَاقِ إِلَيْنَا
وكان يلقب بالزيدى نسبة إلى نحلته من مذهب الإمامية، وبقى ركب العراق يتعاهد مكة
إلى أن اعترضه أبو طاهر القرمطي سنة ثنتى عشرة، وأسر أبا الهيجاء حمدان والد سيف
الدولة وجماعة معه، وقتل الحجاج وترك النساء والأطفال بالقفر، فهلكوا وانقطع الحاج
من العراق بسبب القرامطة.
ثم أنفذ المقتدر سنة سبع عشرة وثلاثمائة منصوراً الديلمي من مواليه فوافاه بمكة يوم
التروية أبو طاهر القرمطي، فنهب الحاج، وقتلهم حتى في الكعبة والحرام، وطم بئر زمزم
بالقتلى والحجاج يصيحون: كيف تقتل جيران الله ووفاده؟ فيقول: ليس بجار من خالف
أوامر الله ونواهيه، ويتلو " إِنَماً جَزاءُ اَلذِّينَ يُحَارِبُونَ الله "
المائدة: 33 الآية. وصعد على عتبة الكعبة يقول: من الرمل:
أَناً باللهِ وباللهِ آَنا ... يَخلُقُ الخلقَ وَأُفْنِيهِم أَنَا
وكان يخطب لعبيد الله المهدي جد الخلفاء العبيديين نسبة إلى عبيد الله المذكور صاحب
إفريقية، ثم قلع الحجر الأسود وحمله إلى الأحساء وهي مستقر ملكه، والأحساء هذه
بناها أبو طاهر بعد أن خرب جده مدينة البحرين، ولنذكرهما وإن كان ذكرهما اعتراضاً
في البين.
أما البحرين: فإقليم واسع مسافة شهر على بحر فارس بين البصرة وعُمان، شرقيها بحر
فارس، وغربيها متصل باليمامة، وشماليها بالبصرة، وجنوبيها عمان، كثيرة المياه
ينبطونها على القامة والقامتين، كثيرة البقل والفواكه، مفرطة الحر، منهالة الكثبان،
يغلب الرمل عليهم في مساكنهم.
وكانت في الجاهلية لعبد القيس وبكر بن وائل من ربيعة، وملكها الفرس، ثم صارت في صدر
الإسلام لبني الجارود، ثم ملكها أبو سعيد القرمطي بعد حصار ثلاث سنين واستباحها
قتلاً وإحراقاً وتخريباً.
ثم بنى أبو طاهر القرمطي مدينة الأحساء، وتوالت دولة القرامطة فيها وهم أخلاط من
الفرس، وبنى تغلب، وبنى عقيل، وبنى سليم. وكان بناؤها في المائة الثالثة، وسميت
بهذا الاسم - يعنى الأحساء - لكثرة أحساء المياه في الرمال بها ومراعي لإبل، وكانت
للقرامطة بها دولة، وجالوا في الأقطار والشام والعراق ومصر والحجاز، وملكوا الشام
وعمان.
ثم انقضت دولة القرامطة وغلبت على البحرين وما والاها بنو عامر بن عقيل، ابن خلدون
قال ابن سعيد: والملك الآن منهم في بني عصفور.
ئم رجع: وقلع باب البيت وحمله، وأطلع رجلاً لقلع الميزاب فسقط ومات.
فقال: اتركوه فإنه محروس حتى يأتى صاحبه - يعني المهدي المنتظر - فلما بلغ عبيد
الله المهدي ما فعله كتب إليه ما نصه: والعجب من كتبك إلينا ممتناً علينا بما
ارتكبته واجترمته باسمنا من حرم الله وجيرانه بالأماكن التي لم تزل الجاهلية تحرم
إراقة الدماء فيها وإهانة أهلها، ثم تعديت ذلك فقلعت الحجر الذي هو يمين الله في
أرضه يصافح بها عباده وحملته إلى أرضك ورجوت أن نشكرك، فلعنك الله ثم لعنك، ثم
لعنك، السلام على من سلم المسلمون من لسانه ويده، وفعل في يومه ما عمل فيه حساب
غده.
فانحرفت القرامطة عن طاعة العبيديين لذلك.
ثم قتل المقتدر على يد مؤنس سنة عشرين وثلاثمائة وولي أخوه القاهر.
(2/381)
--------------------------------------------------------------------------------
وانقطع الحاج من العراق بعد هذه السنة إلى أن كاتب أبو علي عمر بن يحيى الفاطمى سنة
27 سبع وعشرين من العراق أبا طاهر القرمطي، فأطلق السبل للحاج على مكس أخذه منهم.
وكان أبو طاهر يعظمه لدينه ويؤمله. فأجابه إلى ذلك وأخذ المكس من الحاج ولم يعهد
مثله في الإسلام.
وخطب في هذه السنة بمكة للراضي بن المقتدر، وفي سنة تسع وعشرين وثلاثمائة لأخيه
المتقي من بعده، ولم يصل ركب العراق في هذه السنة من القرامطة.
ثم ولي المستكفي سنة 333 ثلاث وثلاثين وثلاثمائة على يد توزون أمير الأمراء ببغداد
فخرج الحاج في هذه السنة بمهادنة القرامطة بعهد أبي طاهر ثم خطب للمطيع ابن المقتدر
بمكة بمعز الدولة بن بويه سنة 334 أربع وثلاثين وثلاثمائة عندما استولى معز الدولة
على بغداد وعزل المستكفي واعتقل، ثم تعطل الحج بسبب القرامطة.
وردوا الحجر الأسود سنة تسع وثلاثين بأمر المنصور العبيدي صاحب إفريقية وخطابه في
ذلك لأميرهم أحمد بن أبي سعيد. ثم جاء الحاج إلى مكة سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة
مع أمير العراق وأمير من مصر فوقعت الحرب بينهما على الخطبة لابن بويه ملك العراق،
وابن الإخشيد ملك مصر، فانهزم المصريون وخطب لابن بويه، واتصل وفود الحاج من يومئذ.
فلما كانت سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة جاء الحاج من بغداد ومن مصر؛ كان أمير الحاج
العراقي محمد بن عبيد الله العلوي فمكر بأمير مصر وقال: نتفق على إفراد الخليفة
ونترك صاحبي وصاحبك، فأجابه إلى ذلك، ئم جاء المنبر مستعداً وأمر بالخطبة لمعز
الدولة بن بويه، فوجم الآخر وتمت عليه الحيلة وعاقبه أميره كافور، ويقال قتله.
ووقع معز الدولة بن بويه بعد موت أبيه والخليفة يومئذ المطيع، وسببه: أن سابور بن
أبي طاهر قتل عمه أحمد بن سعيد الأمير القرمطي وكان مجمعاً على اعتراض ركب العراق
وقطع الخطبة على ابن بويه بمكة، فلما قتل أحمد وقعت الفتنة بين أولاد أبي طاهر
وأولاد أحمد بن أبي سعيد فأصلح المطيع بينهم، وقدم عليه الحسن بن أحمد وخطب في
الموسم للمطيع وللحسن بعده بالإمارة.
وفي سنة 360 ستين وثلاثمائة خلع الحسن بن أحمد القرمطي طاعة العبيديين وخطب للمطيع
وبعث المطيع إليه بالرايات السود، ونهض إلى دمشق فقتل عاملها من جهة العبيديين جعفر
بن فلاح وخطب للمطيع، ثم وقعت الفتنة بين بني الحسن أهل مكة وبني الحسين أهل
المدينة وزحف أهل المدينة مع أمير المعز لدين الله العبيدي صاحب مصر ليقيموا له
الخطبة بمكة، فجاءت القرامطة مدداً لبني حسن بمكة فانهزم أهل المدينة، ثم وقعت
الفتنة بين بني الحسن وبني جعفر، وحصلت بينهم دماء، وبعث المعز العبيدي من أصلح
بينهم، وتحمل ديات القتلى الفاضلة من مال المعز فمذ ملك مصر بادر جعفر بن الحسن بن
محمد بن سليمان بن داود، وكان بالمدينة فملك مكة ودعا للمعز العبيدي فكتب له المعز
بالولاية.
ثم مات جعفر بن الحسن بن محمد بن سليمان بن داود، فوليها بعده ابنه عيسى بن جعفر بن
الحسن بن محمد بن سليمان بن داود بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي
طالب. وعامت ولايته إلى أن مات سنة أربع وثمانين وثلاثمائة.
ثم ولي بعد عيسى أخوه أبو الفتوح الحسن بن جعفر بن الحسن بن محمد بن سليمان بن
داود، وكانت ولايته سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، ثم جاءت عساكر عضد الدولة الديلمي،
ففر الحسن بن جعفر.
(2/382)
--------------------------------------------------------------------------------
ولما مات المعز العبيدي وولى ابنه العزيز بعث إلى مكة أميراً علوياً فخطب له
بالحرمين. وفي سنة سبع وستين بعث العزيز العبيدي باديس بن زيري الصنهاجي أميراً على
الحاج، واستولى له على الحرمين، وأقام له الخطبة، وشغل عضد الدولة في العراق بقتال
ابن عمه بختيار فبطل ركب العراق، ثم عاد في السنة التي بعدها وخطب لعضد الدولة أحمد
الموسوي وانقطعت بعدها خطبة العباسيين من مكة، وعادت إلى خلفاء مصر إلى حين من
الدهر، وعظم شأن أبي الفتوح واتصلت إمارته في مكة، وكتب إليه القادر سنة ست وثمانين
ورغبه في الطاعة ووعده باتصال الإمارة في بنيه، فأنفذ أبو الفتوح الكتب إلى العزيز
العبيدي صاحب مصر فأرسل إليه العزيز بالأموال والخلع فقسمها في قومه، وكسا الكعبة
بالبياض، ثم خاطبه القادر سنة تسعين وثلاثمائة في الإذن لحاج العراق، فأجابه على أن
الخطبة للحاكم صاحب مصر العبيدي، وبعث الحاكم إلى ابن الجراح أمير طي باعتراضهم،
وكان على الحاج الشريف الرضي أميراً وأخوه المرتضى، فلاطفا ابن الجراح حتى خلي سبيل
الحاج على أن لا يعود.
قال ابن خلدون: وفيها ولي المدينة المشرفة، وأزال عنها إمرة بني المهنا الحسيني، ثم
اعترض حاج العراق سنة أربع وتسعين وثلاثمائة الأصفر التغلبي عند ملكه الجزيرة،
فوعظه قارئان كانا في الركب، ثم اعترضهم في السنة التي بعدها أعراب خفاجة ونهبوهم،
ثم كتب الحاكم سنة اثنتين وأربعمائة إلى عماله بالبراءة من أبي بكر وعمر فنكر ذلك
أبو الفتوح وامتعض له وخرح عن طاعته بسبب ذلك. كذا في تاريخ العلامة ابن خلدون.
ورأيت في شفاء الغرام للعلامة التقي الفاسي ما نصه: كان سبب عصيان أبي الفتوح عن
طاعة الحاكم العبيدي أن الوزير أبا القاسم ابن المغربي لما قتل الحاكم أباه وأعمامه
هرب من الحاكم، واستجار بكبير آل الجراح أمير طي فعند ذلك حسن لهم الوزير مبايعة
أبي الفتوح بالخلافة، فمالوا إلى ذلك، فقصد الوزير أبو القاسم أبا الفتوح وحسن له
طلب الخلافة، فاعتذر أبو الفتوح بقلة ذات يده، فحسن له الوزير أخذ ما في الكعبة من
المال فأخذه مع مال عظيم لبعض التجار بجدة، وخطب لنفسه وتلقب بالراشد بالله، وبايعه
بالخلافة شيوخ الحسينيين وغيرهم بالحرمين، وخرج من مكة إلى الرملة قاصداً آل الجراح
في جماعة من بني عمه، وألف عبد أسود ومعه سيف زعم أنه ذو الفقار، وقضيب زعم أنه
قضيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قرب الرملة تلقته العرب، وقبلوا الأرض بين
يديه، وسلموا عليه بالخلافة، ونزل الرملة ونادى بالعدل والأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، فانزعج الحاكم العبيدي، وقطع الميرة عن الحرمين وما وسعه ألا الخضوع لآل
الجراح لقوة شوكتهم، فاستمال حسان بن مفرج منهم وبذل له ولإخوته أموالاً جزيلة،
فتخلفوا عن أبي الفتوح، فعرف أبو الفتوح ذلك، فاستجار بمفرج من حاكم العبيدي، فكتب
مفرج إلى الحاكم مستشفعاً لأبي الفتوح فشفعه فيه ورده إلى مكانه من إمرة مكة وراجع
طاعة الحاكم العبيدي.
وقد كان الحاكم ولي على إمرة مكة عند عصيان أبي الفتوح أبا الطيب في المدة التي خرج
فيها عن طاعته، وأبو الطيب هذا هو أبو الطيب بن عبد الرحمن بن قاسم بن أبي الفاتك
بن داود بن سليمان بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي، أبي
طالب، ومن أحفاد أحفاده الأمير يحيى ابن الأمير المؤيد ابن الأمير قاسم بن غانم بن
حمزة بن وقاص بن أبي الطيب بن عبد الرحمن المذكور. وذكر ابن حزم للطيب هذا، وساق
نسبه كما ذكرنا، ثم قال: كان لعبد الرحمن والد أبي الطيب اثنان وعشرون ذكراً،
فذكرهم، وذكر أبا الطيب منهم، ثم قال: سكنوا كلهم أذَنة حاشا نعمة وعبد الحكيم وعبد
الحميد فإنهم سكنوا أمج بقرب مكة.
ولعل سكناهم أذَنة للخوف من أبي الفتوح بسبب تآمر أبي الطيب بعده بمكة حال خروج أبي
الفتوح إلى آل الجراح.
ولم يحج من العراق في هذه السنة أحد.
(2/383)
--------------------------------------------------------------------------------
قال ابن السبكي: ولما كان موسم ثلاث عشرة وأربعمائة: جرت فيه كائنة غريبة هي: أن
رجلاً من المصريين من أصحاب الحاكم العبيدي اتفق مع جماعة من حجاج المصريين على أمر
سوء، فلما كان يوم الجمعة وهو يوم النفر الأول طاف هذا الرجل بالبيت، فلما انتهى
إلى الحجر الأسود جاء كأنه يريد تقبيله فضربه بدبوس، معه ثلاث ضربات متواليات وقال:
إلى متى يعبد هذا الحجر؟! إلى متى يقبل؟!، ولا محمد ولا علي فيمنعني من ذلك فإني
أهدم اليوم هذا البيت، وجعل يرتعد، فاتقاه أكثر الحاضرين وتأخروا عنه، وذلك أنه كان
رجلاً طويلاً جسيماً أحمر اللون أشقر الشعر، وعلى باب المسجد جماعة من الفرسان وقوف
ليمنعوه ممن أراده بسوء، فتقدم إليه رجل من أهل اليمن معه خنجر فوجأه به، وتكاثر
عليه الناس فقتلوه وقطعوه قطعاً وحرقوه. وتتبعوا أصحابه فقتل منهم جماعة، ونهب أهل
مكة ركب المصريين وتعدى النهب إلى غيرهم، ثم إنه سكن الحال، غير أنه سقط من الحجر
ثلاث فلق مثل الأظفار وبدا ما تحتها أسمر يضرب إلى صفرة محبباً مثل الخشخاش، فأخذ
بنو شيبة تلك الفلق، فعجنوها بالمسك واللاذن واللَّك وحشوا بها تلك الشقوق التي
بدت، فاستمسك على ما هو عليه الآن، وهو ظاهر لمن تأمله.
ولما بويع القائم العباسي سنة ثنتين وعشرين وأربعمائة أمر أن يجهز الحاج فلم يقدر
لاستيلاء العرب، وانحلال إمرة بني بويه، ثم خطب بمكة سنة سبع وعشرين وأربعمائة
للمستنصر بن الظاهر العبيدي.
ولما كان سنة ثلاثين وأربعمائة: تولى أبو الفتوح الحسن بن جعفر بن الحسن بن محمد بن
سليمان رئيس مكة وبني سليمان وكانت مدة إمارته ثلاثاً وأربعين سنة. ثم ولى بعده
ابنه شكر بن أبي الفتوح، وجرت له مع أهل المدينة خطوب ملك فى أثنائها المدينة وجمع
بين الحرمين، واستمر إلى أن مات سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة، فكانت مدته ثلاثاً
وعشرين سنة، ولم يعقب ولا ولد له قط، وقبل خلف بنتاً هي التي تزوجها محمد بن جعفر
أول أمراء الهواشم الآتي ذكرهم الآن.
وذكر ابن حزم أن عقب جعفر بن الحسن بن محمد بن سليمان انقرض، وأن مكة وليها بعد شكر
عبد كان له لأنه قال وقد انقرض عقب جعفر المذكور لأن ابنه أبا الفتوح لم يكن له ولد
ألا شكر ولم يولد له، وصار أمر مكة إلى عبد له. انتهى كلام ابن حزم.
قال العلامة محمد بن جار الله في تاريخه الجامع اللطيف: ثم ولي بعد شكر بنو أبي
الطيب الحسنيون وهم من جماعة شكر الذين يقال لهم: السليمانيون، ولم يذكر العلامة
الفاسي عدتهم، وأما العلامة ابن خلدون فلم يذكر بني أبي الطيب أصلاً، بل ذكر بعد
موت شكر استيلاء أول أمراء الهواشم أبي هاشم محمد بن جعفر ابن محمد أبي هاشم بن
الحسن بن محمد بن موسى بن عبد الله أبي الكرم بن موسى ابن عبد الله بن الحسن بن
الحسن بن علي بن أبي طالب.
وعلى موت شكر انقرضت دولة بني سليمان بمكة وجاءت دولة الهواشم.
ذكر دولة الهواشم
هؤلاء الهواشم من ولد أبي هاشم محمد بن الحسن بن الحسن بن محمد بن موسى بن عبد الله
أبي الكرم بن موسى الجون بن عبد الله المحض بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب،
كانت بين هؤلاء الهواشم وبني السليمانيين فتن متصلة. ولما مات شكر ذهبت الرئاسة من
بني سليمان؛ لأن شكراً آخرهم ولم يعقب.
وتقدم فيهم طراد بن أحمد لم يكن من بيت الإمارة وإنما كانوا يؤملونه لإقدامه ورأيه
وشجاعته، وكان رئيس الهواشم يومئذ أبو هاشم محمد بن جعفر بن أبي هاشم محمد بن الحسن
بن محمد المذكور، وكان قد ساد في الهواشم، وعظم ذكره فاقتتلوا سنة أربع وخمسين
وأربعمائة بعد موت شكر فهزم الهواشم بني سليمان، وطردوهم عن الحجاز، فساروا إلى
اليمن وكان لهم به ملك، فاستقل بإمارة مكة الأمير أبو هاشم محمد بن جعفر بن أبي
هاشم محمد بن الحسن المذكور وخطب للمستنصر العبيدي.
(2/384)
--------------------------------------------------------------------------------
ثم ابتدأ الحاج من العراق سنة ست وخمسين وأربعمائة بنظر السلطان ألب أرسلان بن داود
ملك السلجوقية حين استولى على بغداد والخلافة، طلب منه القائم العباسي ذلك فبذل
المال وأخذ رهائن من العرب، وحج بالناس أبو الغنائم نور الهدى الزيني نقيب
الطالبيين، ثم جاور في السنة التي بعدها واستمال الأمير أبا هاشم محمد بن جعفر
المذكور عن طاعة العبيديين فخطب لبني العباس سنة ثمان وخمسين وأربعمائة وانقطعت
ميرة مصر عن مكة فعذله أهله عما فعل فرد الخطبة للعبيديين.
ثم خاطبه القائم العباسي وعاتبه وبذل له الأموال فخطب له سنة ثنتين وستين وأربعمائة
بالموسم فقط، وكتب إلى المستنصر العبيدي معتذرَاً.
ثم بعث القائم العباسي أبا الغنائم الزيني نقيب المذكورين سنة ثلاث وستين وأربعمائة
أميراً على الركب العراقي، ومعه عسكر ضخم لأمير مكة من عند ألب أرسلان وثلاثون ألف
دينار، وتوقيع بعشرة آلاف دينار واجتمعوا بالموسم، وخطب الأمير أبو هاشم محمد بن
جعفر للقائم العباسي فقال: الحمد لله الذي هدانا أهل بيته إلى الرأي المصيب، وعوض
بنيه لبسة الشباب بعد لبسة المشيب، وأمال قلوبنا إلى الطاعة، ومتابعة إمام الجماعة.
فانحرف المستنصر بن الظاهر بن الحاكم العبيدي صاحب مصر المذكور عن الهواشم ومال إلى
السليمانيين، وكتب إلى علي بن محمد الصليحي صاحب دعوتهم باليمن أن يعينهم على
استرجاع ملكهم وينهض معهم إلى مكة، فنهض وانتهى إلى المهجم.
وكان سعيد بن نجاح الأحول موتور بني الصليحي قد جاء من الهند ودخل صنعاء، فثار بها
واتبع الصليحي، وهو في سبعين رجلاً والصليحي في خمسة آلاف فبيته بالمهجم وقتله. كذا
في تاريخ العلامة ابن خلدون.
ورأيت في تاريخ العلامة محمد بن جار الله بعد أن قال: ثم ولي بعد شكر بنو أبي
الطيب: وهم الذين يقال لهم السليمانيون من جماعة شكر، ولم يذكر الفاسي عدتهم.
قال: ثم ولي علي بن محمد الصليحي صاحب اليمن وذلك سنة خمس وخمسين وأربعمائة في شهر
الحجة، وأظهر العدل بها، واستعمل الجميل مع أهلها، وكثر الأمن، وطابت قلوب الناس،
ورخصت الأسعار في أيامه وكثرت له الأدعية، وكسا البيت ثوباً أبيض، ورد للبيت الحلي
الذي أخذه بنو أبي الطيب لما ملكوا بعد شكر، وأقام بمكة إلى ربيع الأول سنة ست
وخمسين وأربعمائة.
ثم ولى عنه نائباً أبا هاشم محمد بن جعفر هذا، وسبب ذلك أن الصليحي لما دخل مكة كان
الأشراف بنو أبي الطيب قد أبعدوا عن مكة وجمعوا عليه، ثم راسلوه بأن يخرج من مكة
ويؤمر بها من يختار منهم، وكان قد وقع في عسكره الوباء فمات منهم سبعمائة رجل ولم
يبق ألا نفر يسير، فاختار أبا هاشم محمد بن جعفر هذا، وهو أول الهواشم، وأقامه
نائباً عنه وأمره على مكة واستخدم له عسكراً، وأعطاه مالاً وسلاحاً وخمسين فرساً،
ثم عاد إلى اليمن فجاء الأشراف بنو سليمان ومعهم حمزة بن أبي وهاص، وحاربوا محمد بن
جعفر فحاربهم ولم يكن له بهم طاقة، فخرج هارباً من مكة فتبعوه، فكر راجعاً، وضرب
واحداً منهم ضربة قطع بها درعه، وجسده وفرسه ووصل إلى الأرض فرجعوا عنه، وكان تحته
فرس، يقال لها: دنانير لا تكل ولا تمل، وقيل: إنه كان صهر شكر على ابنته.
ثم عاد محمد بن جعفر إلى مكة بعد خروجه منها.
فهذا الذي ذكره ابن جار الله مخالف لما ذكره العلامة ابن حلدون مخالفة ظاهرة. أما
أولاً: ففي تاريخه فإنه - أي ابن جار الله - ذكر أن إتيان الصليحي إلى مكة، وإقامته
أبا هاشم محمد بن جعفر نائباً عنه كان في سنة ست وخمسين وأربعمائة، وأنه دخلها
وأقام أبا هاشم محمد بن جعفر أول أمراء الهواشم، والذي ذكره ابن خلدون؛ إن الصليحي
أمره المستنصر العبيدي لما مال عن الهواشم إلى السليمانيين بسبب عدولهم بالخطبة عنه
إلى العباسيين أن ينهض مع السليمانيين، ويعينهم على استرجاع ملكهم، وأرخ ذلك الأمر
له بسنة اثنتين وستين وأربعمائة فهذا تخالف في التاريخ.
(2/385)
--------------------------------------------------------------------------------
وأما ثانياً: فمخالفته من جهة المعنى، إذ كيف يؤمر بإعادة السليمانيين إلى ملكهم،
وإزالة الهواشم عن مكة فيفر السليمانيون عن مكة، ويرسلون لة أقم من تختاره منا
فيقيم عليهم أبا هاشم وهو من الهواشم المغضوب عليهم من جهة مرسله المستنصر العبيدي،
وكيف يفر السليمانيون عنه، وهو آت لنصرتهم وإرجاع دولتهم إليهم من يد الهواشم، فما
علمت وجه التوفيق بينهما في ذلك والله أعلم.
وأيضاً لم يذكر ابن خلدون أن الصليحي دخل مكة، بل إنه لما انتهى إلى المهجم - اسم
محل - هجم عليه سعيد بن نجاح الأحول فقتله.
وإذ قد انجر الكلام إلى ذكر الصليحي فلنذكر طرفاً من خبره ومبدأ منتهى أمره.
قال العلامة ابن السبكي: الصليحي هو علي بن محمد بن علي الصليحي. كان أبوه محمد
قاضياً باليمن ونشأ له هذا الولد فتوسم فيه بعض من عنده علم من الملاحم، وقال له:
أنت تلي ملك اليمن، فاشتغل على هذا وحوى علوماً كثيرة، وحج بالناس دليلاً سنين
متعددة. ثم توافق مع جماعة من أولاد رؤساء اليمن نحو الستين وخرجوا إلى رأس جبل
منيع باليمن فحاصرهم الجند في عشرين ألف مقاتل فلم يقدروا عليهم، ثم استفحل أمره
وبنى برأس ذلك الجبل حصناً منيعاً. ثم تدلى فأخذ البلاد بلداً بلداً حتى استحوذ على
اليمن كلها وخطب بنفسه ودعا للخليفة المستنصر العبيدي واستمر كذلك نحواً من ثلاثين
سنة.
فلما كانت سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة - كذا قاله ابن السبكي.
وقال ابن خلدون سنة اثنين وستين وأربعمائة - خرج في طائفة من الجيش يريد الحج، فلما
كان بالمهجم اعترضه سعيد بن نجاح الأحول صاحب التهائم، وكان الصليحي قد وتره في أول
دولته، فاعترضه سعيد هذا وأخوه حناش في سبعين رجلاً مع كل رجل منهم جريدة في رأسها
مسمار، فنذر بهم الصليحي، فأرسل سرية في ألفي مقاتل ليردوهم فاختلفوا في الطريق
فخلص إليه سعيد وأخوه في أصحابهما، وهو على غرة فوصلوا إليه، وقتلوه بسيفه، وقتلوا
جميع أقاربه، وكانوا نحو مائة وستين، ومالوا على بقية العسكر فقتلوا وأسروا، ورجعوا
إلى اليمن فملكوه مع بلاد تهامة وهذا أمر لم يتفق مثله ألا نادراً.
وكان مقتله عند قرية يقال لها: الرهيم وبئر أم معبد وليست بأم معبد السعدية.
قلت: ومن شعر الصليحي بيتان في حفظي هما: من الكامل:
أنكَختُ بِيضَ الِهندِ شمر رِقَابِهم ... فَرُؤُوسُهُمْ دُونَ النِّثَارِ يِثَارُ
وكَذاً العُلا لا يُسْتَباح نِكَاحُهَا ... إِلا بِحَيثُ تُطَلَقُ الأَعْمَار
ولما رجع سعيد بن نجاح برأس الصليحي منصوباً فوق المظلة التي كانت يظلل بها فوقه
إذا ركب في جنده، قال في ذلك أبو بكر العثماني: من الكامل:
بَكَرَتْ مِظَلتُهُ عَلَيْهِ فَلَم تَرُحْ ... إلاَّ عَلَى الملكِ الأَجل
سَعِيدِهَا
ماً كَانَ أَقبَحَ وَجهَهُ في ظِلها ... ماً كَانَ أحسَنَ رأْسَهُ في عُودِهَا
رجع: ولما عاد محمد بن جعفر إلى مكة بعد خروجه منها جمع أنجاداً من الأتراك فزحف
بهم إلى المدينة فأخرج منها بني الحسين، وجمع بين الحرمين. ثم مات القائم العباسي
وانقطع ما كان يصل إليه منه، فقطع محمد بن جعفر الخطبة للعباسيين، ثم جاء الزينبي
من قابل بالأموال فأعادها.
ثم بعث المقتدي سنة سبعين وأربعمائة منبراً إلى مكة استجيد خشبه ونقش عليه بالذهب
اسمه، وبعث على الحاج ختلغ التركي وهو أول تركي تأمر على الحج، وكان والياً على
الكوفة وقهر العرب من بني خفاجة، فبعثه المقتدى أميراً على الحاج فوقعت الفتنة بين
العسكر العراقي والمصري فكسر المنبر وأحرق، ثم عاود الفتنة سنة ثلاث وسبعين وقطعت
الخطبة عن المستنصر العبيدي وأعيدت للمقتدي العباسي واتصلت إمارة ختلغ على الحاج
وبعده خمارتكين. إلى أن مات السلطان ملك شاه ووزيره نظام الملك فانقطعت الخطبة
للعباسيين وبطل الحاج من العراق لاختلاف ملوك السلجوقية وتغلب العرب.
ومات المقتدي العباسي خليفة بغداد و