نظرات إسلامية في إعلان حقوق الانسان تأليف سماحة آية الله العظمى الشهيد السيد محمد محمد صادق الصدر (قده)

 

نظرات إسلامية في إعلان حقوق الانسان

 

تأليف

سماحة آية الله العظمى الشهيد

السيد محمد محمد صادق الصدر (قده)

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

إن هذا الجهد المتواضع الذي تراه بين يديك، والذي تناول (إعلان حقوق الإنسان والمواطن) بالنقد الإسلامي البنّاء، ليس هو إلاّ نتيجة من نتائج " كلية الفقه " التي كان لي شرف التلمذة بها مدة خمس سنوات متتابعة حتى ان وفقني الله عز وجل بمنّه ولطفه إلى التخرج منها، وقد بذلت الكلية جهداً مشكوراً في تغذية تلاميذها من ثمار الفكر الإنساني قديمةوحديثة ، وإطلاعهم على مختلف وجهات النظر في مختلف حقول المعرفة سواء من الناحية الدينية أو الفلسفية، أو من ناحية العلوم الإنسانية في حقول علم النفس وعلم الإجتماع والتاريخ، أو ما سواها من حقول المعرفة الإنسانية، وذلك ليكون تلاميذها المتخرجون أفذاذا فضلاء يستطيعون مجابهة صعوبات الحياة، وحل المشاكل البشرية على ضوء الإ سلام المنير.

وكان (إعلان حقوق الإنسان والمواطن) مما إستفدته من "كلية الفقه" أيضاً، حيث تلقيته عن الدكتور فاضل حسين في مادة " التاريخ الحديث " ، وقد تفضل بذكره لنا في معرض حديثه عن الثورة الفرنسية بملابساتها المهمة وحوادثها التاريخية، وقد شرحه لنا شرحاً ضافياً، وقد كان لي توفيق كتابته في أثناء إلقاء المحاضرة، وقد أكّد بالخصوص على  إن هذا الإعلان إنما يمثل فلسفة ومصالح الطبقة الرجوازية الفرنسية، وإن كان ظاهر العبارة فيه يقتضي أنه شامل لجميع بني الإنسان، بل إنه أكيد على الثورة الفرنسية نفسها ثورة برجوازية، وانما نجحت بقوة البرجوازية الفرنسية، وضعف الإقطاع في فرنسا، ومن هنا جاء هذا الاعلان بعيد الثورة بأيام ممثلاً لجوهر فلسفة الثورة ومصالح البرجوازية. وكان هذا نفسه ما حاولت التأكيد عليه في غضون  مناقشة الإعلان، حيث تعرضت بالتفصيل إلى التفسير البرجوازي لكل مادة تقريباً في هذا الإعلان. كما حاولت أن أعرض على ضوء هذا التفسير وعلى ضوء الإسلام نقاط الضعف والقوى في هذا الإعلان، وكيف أن هذا التفسير البرجوازي يترك بهذا الإعلان من البرج العاجي الذي حاول واضعوه أن يضعوه فيه، بالإضافة إلى ضيق الافق وقصر النظر الذي تميز به هذا الإعلان عند مقارنته إلى عدالة الإسلام وشمول تعاليمه وخلوده. وقد تعرضت بشئ من التفضيل إلى شضرحو وجهة النظر الإسلامية في كل قاعدة مما ذكره الإعلان.

ولكنني أود أن اعترف رغم كل ما توسعت به في ذكر التعاليم الإسلامية، إنني قد إختصرت كلامي إختصاراً كبيراً، فقد كان بالإمكان – لو كان المقصود هو الإستيعاب والشمول – ان يمتد البحث إلى أضعاف هذه الكمية، ولكنني إقتصرت على ما له صلة مباشرة بالموضوع، مما يكفي في لفت الأنظار إلى وجهة النظر الإسلامية.

ولما كان ينبغي أثناء عرض وجهة النظر الإسلامية، لكي تكون الصورة واضحة وصادقة، من تصور الدين الإسلامي مطبقاً بجميع اوامره ونواهيه، وخصوصيات تشريعه، فان الإسلام إنما جاء لكي يطبق في المجتمع كوحدة متماسكة يشد بعضها بعض، ليستطيع أن يثمر ثماره شهية ناضجة، كما هو المتوقع منه، وإلا فانه لن يثمر إلا في الحدود الضيقة التي تسمح بها الظروف الموضوعية في كل جيل.

لهذا، إقتضى تصور مجتمع مسلم يتصف جميع أفراده أو أغلبهم بالإسلام،وتقوم بينهم الروابط والعواطف على أساس إسلامي ، وتحكمه حكومة إسلامية شرعية تقوم بتطبيق القوانين الإسلامية على المجتمع الإسلامي.

فان لهذا التصور المدخلية الكبرى في معرفة وتشخيص الثمار الحكيمة والأهداف السامية التي قصدها الإسلام من سن تشريعاته، وعلهي فقد تمت مناقشة الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان على هذا الأساس.

هذا وأرجو أن أجد منك أثناء تجشمك مطالعة البحث، أذنا واعية وقلباً منصفاً وعقلاً قريباً من العدالة والإنصاف وبعيداً عن التعصب الأعمى،  فإن التعصب آفة البحث، وذلك لكي تستطيع ان تفهمني كما أريد ان تفهمني، وأن تفهم الإسلام كما يريد الإسلام ان تفهمه. ولك مني سلفاً خالص الشكر.

 

 

محمد الصدر

 

النجف الأشرف
 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

(1)

 

ليس التفكير في حقوق الإنسان، وإدراك أن الظلم والتعسف ناشيء من غمط حقوقه، وإحتقار كرامته، ليس هذا التفكير حديثاً بالنسبة إلى العهود التاريخية المتأخرة. فقد حدثت في مختلف البلدان إضطرابات سياسية وثورات على الأوضاع الفاسدة، تمخضت عن شكل وآخر من لوائح حقوق الإنسان، فم أقدم اللوائح البريطانية ((العهد الأكبر)) The Magna Corta  الصادر في سنة 1215 حين إضظر البارونات الثائرون ملكهم جون John  على توقيع العهد المذكور الذي يحتوي على وعود كثيرة(1)، ومنها ((عريضة الحق)) Petition of Right التي أصدرها البرلمان البريطاني سنة 1628 في مقابل منح الملك ((شارلس الأول)) المخصصات المالية التي يطلبها(2) ، ومنها ((لائحة الحقوق))  Bill of Rights  التي أصدرها البرلمان البريطاني  سنة 1689 على إثر الثورة البضاء التي نشبت هناك والتي تسمى ((بالثورة المجيدة))(3) Glorious revolution

________________________________

(1)                        محاضرات في التأريخ الحديث

(2)                        نفس المصدر

(3)                        نفس المصدر


 

ومنها (( عقد التسوية)) ACT of Settlement   وهو أيضاً وثيقة صدرت في عهد وليم الثالث سنة 1701 على يد الحكومة الفاشية يومئذ(1).

 ولكن هذه الوثائق الدستورية كلها، وهي وثائق سياسية بحتة، لم تتعرض إلى حقوق الإنسان –بشكل عام – بقليل ولا كثير . ولقد كانت الومضة الأولى في إثبات حقوق الإنسان والتمسك بكرامته وإنسانيته بالنسبة إلى اوربا الغربية هو ((إعلان حقوق الإنسان والمواطن))الذي أصدرته الجمعية الوطنية التأسيسية في يوم 26 آب سنة 1789 بعد أن كانت الثورة الفرنسية قد بدأت في 14 تموز من العام نفسه، ومن ثم فقد إحتلت هذه الوثيقة في فرنسا وفي سائر البلاد الاوربية مركزا ساميا، واصبحت في نظر شعوبها نبراساً يقتدى به، وأثرت في الفكر السياسي العالمي خلال القرن التاسع عشر والعشرين، وعلى أصولها ترتكز اليوم فعلاً دساتير الأمم الحرة في أوربا وفي سائر انحاء العالم (2) .  ولكن الزمان بعد ان تصرّم قليلاً قليلاً بعد صدور هذا الإعلان الذي كان فاتحة خير في إثبات حقوق الإنسان، ونصراً مبيناً للطبقة البرجوازية الفرنسية التي كانت قبل صدوره مظلومة مغموطة الحقوق

__________________________

(1)                            المذاهب  الإجتاعية الحديثة ص36

(2)                            محاضرات في التاريخ الحديث


 

بدأت تظهر للعيان ما يحتويه هذا الإعلان من الأخطاء والنواقص، وبدا واضحاً ان حقوق الإنسان أعقد وأعمق من أن يحيط بها هذا الإعلان المقتضب المتكون من سعبة عشر مادة. كما أنه بدا واضحاً ان الجماعة التي وضعته وإن إدعت أنها قد وضعته ((ليكون هذا الإعلان راسخاً في أذهان بني الإنسان يذكرهم على الدوام بحقوقهم وواجباتهم))، إلا أنها لم تقصد به إلا مصالحا البرجوازية الخاصة، والطرق التي تضمن من خلالها لاحصول على أكبر فرصة لتوسيع التجارة والصناعة إلى أعظم حد ممكن، وإكتناز المال جهد الطاقة والمستطاع. ثم لا يهممها بعد ذلك مصالح الطبقات الدنيا من الشعب التي تمثل اكثريته الساحقة من العمال والفرحين وأصحاب الحرف وغيرهم، بل إنه صار من المعلوم بعد ذلك ان هذه الحرية التي نالوها عن طريق هذا الإعلان كانت سبباً في التحكم في العمال، وإرهاقهمفي العمل مدة 14 ساعة في اليوم، ثم إعطائهم أقل كمية ممكنة من الأجر.

وقد أحس الشعب الفرنسي نفسه بما في هذا الإعلان من الخطأ ولاقصور، ومن ثم نراه قد غير مراراً فلي ظل الملوكية والجمهورية(1) تلافياً لما سببه من كوارث وأضرار.

  

___________________

(1) المذاهب الإجتماعية الحديثة ص35


 

ومن هنا فقط يظهر الفرق جلياً واضحاً بين هذا الإعلان لحقوق الإنسان، وبين حقوق الإنسان التي أكد عليها الإسلام ضمن ما أكد عليه في قانونه الخالد العظيم . وما في الإعلان الفرنسي من ضيق بالأفق وقصر في النظر، وما في القانون الإسلامي من عدالة وشمول يضمن بها سعادة البشرية ورقي الإنسان في مدارج الكمال . فالإعلان الفرنسي متناول لبعض حقوق الإنسان التي دعت إلى التأكيد عليها الحاجة الملحة القائمة حين صدوره، وأما الإسلام فهو الدين الشامل لكي جزيئات الحياة، يتابع الإنسان في جميع أقواله وأفعاله، وفي جميع علاقاته وتصرفاته، ويملي عليه التوجيه والإرشاد ما دام موجوداً على سطح الأرض. وإعلان حقوق الإنسان قد وضعته أذهان بشرية قاصرة عن إدراك مصالحه الروحية وكمالها الحقيقي، وأما الإسلام فهو الدين الإلهي الذي أرسله خالق البشر والمنعم عليهم إلى الناس أجمعين، وهو العالم بحقيقتهم والمطّلع على حوائجهم ومشاكلهم، وبالطريق الصالح الذي يتم فيه حل هذه المشاكل والتوافق التام بين البيأة والغريزة، أرسله إليهم ليخرجهم من الظلمات إلى النور ويهديهم إلى الصراط المستقيم.

 كما أ، إعلان حقوق الإنسان الفرنسي أيضاً، قد وضع لصالح طبقة معينة من البرجوازيين ليضمن حريتهم ورفاههم، ولم يكن يضمن في حساب واضعيه من مصالح سواهم القليل ولا الكثير. في حين ان الإسلام  قد جاء ليخدم البشرية جميعاً بدون تمييز ولا تفريق، لا فرق لديه بين غني وفقير، ولا بين ذليل ووضيع، كلهم ينعمون تحت لواءه بالسعادة والرفاه ضمن مجتمعهم الإسلامي السعيد.

 وإعلان حقوق الإنسان الفرنسي قد تكشفت فيه كثير من جهات القصور والنقص، وأما الإسلام فهو الدين الإلهي العادل الشامل الخالد الذي لن تبلي حدته الأيام ولن يذهب برونقه الزمان، وسوف يبقى مع البشرية ما بقيت ولو كره المشركون.

 ولأجل أن يبدو بوضوح تام كيف أن إعلان حقوق الإنسان أنما صدر لمصلحة حفنة معينة من البرجوازيين ، لا بد  من التعرض بإختصار إلى الظروف العامة والخاصة التي أحاطت بصدوره، والملابسات التي إضظرت الجمعية الوطنية الفرنسية إلى وضع مثل هذا الإعلان.

 (2)

كان الإقطاع مكلكلاً على القارة الأوروبية، مسيطراً علىجميع شؤونها سيطرة تامة، متنفذاً فيها كما يشاء وكما يحلو له. بحيث ان المناطق الإقطاعية كانت تعتبر دولة داخل دولة ، فلكل منتطقة إقطاعية حاكم مستقل، وأنظمة مستقلة، وجيش مستقل، وبين هذه المناطق الإقطاعية من الحروب والدمار الشيء الكثير، لأن حياتهم كانت قائمةعلى الطمع بما في أيدي الآخرين والسيطرة عليهم بالقوة المسلحة.

 والمجتمع الإقطاعي زراعي بالدرجة الأولى ، والطبقة الأكثرية فيه هم الفلاحون الزراعيون الإقطاعيون Serps ، وهؤلاء ليسوا إلاّ أقناناً ترتبط حياتهم بالسيد الإقطاعي من جهة، وبالأرض الزراعية من جهة ثانية، ومن ثم فهو يباع مع الأرض ويشتري معها، إذا صادف أن اشترى احد الإقطاعيين أرضاً من إقطاعي آخر.

 تكون العلاقات بين الفرحين الأقنان وبين أسيادهم علاقات تعاقدية يستأجر الفلاح الأرض من مالكها لقاء محصولات عينية، ويقدم ألهدايا لسيدة في المناسبات المختلفة من حبوب ومخضرات ودواجن وخمور، كأن يتزوج إبنه أو يبلغ سن الرشد، وعلى الفلاح أن يقوم مع زملائه الفرحين بتأمين مواد الولائم التي يقيمها السيد الإقطاعي إذا قدم على المقاطعة ضيف كبير، وعلى الفلاح أن يقوم بتعبيد الطرق في وقت معين من السنة حين لا يكون هناك عمل زراعي، وان يخدم في جيشه لرد الغزوات الإقطاعية، وأن يدفع أجور عبور الجسر، وأن يمثل أمام محمة الإقطاعي، وأن يعصر خمره في معصرته، ويحطن حبوبه في مطحنته.

وللفلاح حق على السيد الإقطاعي ان يحميه، وانما يحميه بتكوين جيش منه ومن غيره، يكون السيد قائدهم ومنظمهم.

 ولا يمكن ان يتحرر الفلاح من سيطرة سيده إلا باحد طرق ثلاث، إذا هرب من سيده مدة تزيد على سنة، او إذا انخرط في سلك رجال الدين، او إذا دفع ما عليه منديون وواجبات.

 وكأن السبيل الثالث للتحرر هو الذي كان مطمح أنظار الفلاحين، لأنه ليس من السهل الهرب من دكتاتورية الإقطاعي مدة تزيد على السنة، ولا الإنخراط في سلك رجال الكنيسة الا تحت شروط معينة، فلم يبق إذن امام الفلاح القن إلا الشرط الثالث ليرى من طريقة نور الحرية، ويشم فيه نسيم الإستقلال العليل. ولم يكن من السهل على الفلاح القن المرتبط بأرضه، الذي يباع معها ويشترى، والمرتبط مع سيده بديون وواجبان أن يدفع هذه الديون ليتحرر من حكمه. ولكن قد تقع قريتهم على طريق تجاري صحراوي أو نهري أو بحري، فتأخذ مدينتهم بالإتساع، ويأخذ المال طريقه إلى جيوبهم، ويكونون بعد مدة من الزمن قادرين على دفع ما عليهم من ضرائب وديون مستغنين عن هذا الإرتباط الوثيق الذي كان يربطهم بالأرض أو بالسيد الإقطاعي، وحينئذ يبادر الفلاحون بتسليم ما عليهم من ديون للإقطاعي ويصبحون ولا علاقة لهم به، ويأخذون منه ((وثيقة حرية المدينة)) Charter   يعترف الإقطاعي فيها أن هذه المدينة قد أصحبت حرة وليست لها علاقات إقطاعية.

 وحيث ان الملك كان يخاف من سطوة الإقطاعيين عليه، فقد إعتمد على هذه الطبقة المتحررة من الإقطاع، والتي تسمى باللغة الإفرنجية Bourgeoisie  أي طبقة البرجوازيين وصار حليفاً لهم وأصبح البرجوازيون يكونون جبهة قوية ضد الإقطاع. ولكن حدث – بعد مرور قرنيين – أن اصبحت البرجوازية قوية بحيث تهدد الملك نفسه، وذلك لأن الجيش الذي كان يمكن تكوينه من سكان المدينة هو جيش أكثر أموالا وسلاحاً وعدداً من أي جيش إقطاعي، ومثل هذا الجيش يكون خطراً حتى بالنسبة إلى الملك نفسه، وحينئذ إستند الملك على القوى الإقطاعية وحالفها – كما حدث بالفعل في فرنسا – ضد القوى البرجوازية.

 لاثورة الفرنسية إنما نجحت لأن البرجوازية في فرنسا كانت أقوى من الملك ومن رجال الإفطاع ، فكانت خطوة في إنتقال الحكم من الإقطاع إلى سكان المدينة (البرجوازيين))(1).

________________________________________

(1) محاضرات في التأريخ الحديث، التي ألقاها الدكتور فاضل حسين في الصف الرابع من كلية الفقه سنة 1961

 (3)

 

كان هذا وضعاً مختصراً للأوضاع السائدة في القارة  الاوربية بصورة عامة عدة قرون متطاولة من الزمن.

اما الأوضاع في فرنسا نفسها، تلك الأوضاع التي أدت بصورة مباشرة إلى قيام الثورة الفرنسية ومن ثم إلى إصدار إعلان حقوق الإنسان والمواطن، والتي كانت ماثلة أمام واضعي هذه القانون يعيشون تفاصيلها ويعلمون بمشاكلها ويدبرون في اذهانهم حلولها.

 فكانت تتلخص كالاتي: كان الشعب الفرنسي – ككل مجتمع إقطاعي – مقسماً إلى ثلاث طبقات :

 الطبقة الأولى :  طبقة الأسياد الإقطاعيين.

الطبقة الثانية : طبقة رجال الدين، أتباع الكنيسة المسيحية.

الطبقة الثالثة : وتسمى الطبقة الثالثة أو العوام.

وتتكون الطبقة الثالثة من

أ‌-                             البرجوازية

ب‌-                         الفلاحين

ج- العمال

       د- أصحاب الحرف .

 

وكان عدد نفوس فرنسا حينما نشبت الثورة الفرنسية 26 مليوناً، منهم نحو مليون نسمة عدد نفوس الطبقتين الأولى والثانية، والباقون يكونون الطبقة الثالثة، والرجوازية هي زعيمة الطبقة الثالثة.

 كانت الضرائب تسن، وطلبات الملك المالية تلبي، بواسطة مجلس يسمـــــــــى مجلس الطبقات العامــــــــــة ((Estates General ))  وذلك قبل حوالي قرنين من الثورة الفرنسية. وكانت الطبقات الثلاثة ممثلة فيها بالتساوي لكل طبقة 300 نائب، رغم ان الطبقة الثالثة تكون 95 بالمئة من الشعب. 

وكان التصويت في المجلس يجري على أساس طبقي، فلكل طبقة صوت واحد فقط. فإذا أحتاج الملك إلى المال وأراد فرض الضرائب على الطبقة الثالثة للحصول عليه، فلا بد ان يستشير هذا المجلس بالموضوع، وحيث ان الطبقتين الأوليتين لا تفرض عليها الضرائب لأنها كانت محتكرة للإمتياز لنفسها دون الطبقة الثالثة، فإن التصويت عندما يجري في المجلس على فرض الضرائب، يحصل الملك على صوتين في مقابل صوت واحد وهو صوت الطبقة الثالثة. ومن ثم يصدر التشريع بأكثرية الصوتين وتسن الضريبة على الطبقة الثالثة. كان مجلس الطبقات هذ1 موجوداً في زمان (هنري الرابع) من أسرة (بوربون)، ولكنه عندما توفي وخلف إبنه (لويس الثالث عشر) وكان قاصراً، قات أمه (ماري ميتشي) بالوصاية عليه. وقد ذهبت ف يوم من الأيام إلى بناية هذا الجلس وأمرت أعضاءه بالإنصراف قائلة: إننا نحتاج إلى ساحة للرقص! فذهب النواب ولم يرجعوا، وذلك في سنة 1614.

وبعد مضي 175 سنة، تمضي على حل هذا المجلس، يحتاج الملك (لويس السادس عشر) إلى المال، ويضظر إلى معالجة الوضع الإقتصادي المتردي في فرنسا، فيستشير الملك كبار الإقتصادينن وهم من الطبقة البرجوازية، ولهم إتجاه مالي معين ويسمون بالفيوقراطيين أي الطبيعيين. فيشيرون عليه بأن يقتصد في مصاريف الشعب والبلاط، وأن يجمع الضرائب من الشعب بموافقته. ولكن(ماري انطوانيت) زوجته رفضت الإقتصاد بالمصاريف، فلم يبق إلا فرض الضرائب على الشعب . 

وكذلك إستشار ألملك مجلس الوجهاء ((Assembly of the Notables))  وهو مجلس يتكون من 145 عضواً، فقالوا له إن صاحب الحق الشرعي في فرض الضرائب هو مجلس الطبقات العامة، ثم إستشار المحكمة العليا Partement of Paris  فقالوا له إنه لا يمكنه جمع الضرائب إلا بإشارة مجلس الطبقات. وحينئذ أجريت الإنتخابات في فرنسا لإنتخاب المجلس الجديد، بعد أن أدخل على  المجلس تعديلاً يقضي بجعل عدد ممثلي الطبقة الثالثة 600 شخصاً، مع بقاء عدد ممثلي الطبقتين الأوليتين 300 شخصاً، على أن يكون التصويت بالطبقات أيضاً وتقرر إجتماع المجلس في 5 مايس عام 1789 . واجتمع مجلس الطبقات العاة الجديد، مكونا من 1200 عضوا، والقى الملك خطاب العرش، وطلب منهم تقديم القترحات . ثم طلب الوزير أن يفترق الجمع لتذهب كل طبقة إلى محلها الخاص فرفضوا الإقتراح، ثم أعلن جماعة من ممثلي الطبقتين الأوليتين تنازلهم عن حقوقهم وامتيازاتهم في سبيل الصالح العام، وتأييداً للطبقة الثالثة.

 ويمكن أن يعزى هذا التأييد إلى عدة عوامل : فسم من ممثلي الطبقتين الأولى والثانية كانوا مقتنعين بفساد الوضع وأنه يحتاج إلى إصلاح، وقسم آخر قالوا بأن الوضع سيتغير فمن الرأي الصائب أو يؤيدوا الطبقة الثالثة ليكونوا زعماء الوضع الجديد . وقسم ثالث كانوا في إقتصاد سيئ رغم كونهم من الطبقة الأولى أو الثانية، فكانوا مستائين من اصحاب اللقب، الاغنياء، فوجدوا في ذلك سبيلاً للانتقام منهم.

 ثم ان هؤلاء النواب إجتمعوا وأقسموا على أن يخدموا الشعب ويضعوا دستوراً للبلاد. ولما كان الدستور لا يمكن أن يضعه مجلس الطبقات العامة بل الجمعية الوطنية التأسيسية، بدلوا الاسم ليضعوا دستوراً للبلاد ، وهكذا تكونت الجمعية الوطنية التأسيسية وقد بدأت أعمالها في يوم 5 تموز سنة 1789 . هذه الجمعية الوطنية التأسيسية بالذات هي التي أصدرت إعلان حقوق الإنسان والمواطن في يوم 26 آب سنة 1789، بعد أن كانت الثورة الفرنسية قد بدأت بالهجوم على الباستيل في يوم 14 تموز من العام نفسه(1)

 

(4)

 وإليك نص إعلان حقوق الإنسان والمواطن  Decleration of the rights of the man and of citizen  الذي اصدرته الجمعية الوطنية التأسيسية : (( لما رأى نواب الشعب الفرنسي المجتمعون في الجمعية الوطنية، إن ما يترل بالمجتمع من المصائب وفساد الحكومات يرجع إلى جهل حقوق الإنسان أو تناسيها أو إحتقارها قرروا أن يصدروا إعلاناً خطيرا ببيان حقوق الإنسان الطبيعية المقدسة الثابتة، وذلك ليكون هذا الإعلان راسخاً في أذهان بني الإنسان ويذكرهم على الدوام بحقوقهم وواجباتهم، ولكي تقارن أعمال السلطة التشريعية والتنفيذية دائماً مع كل منظمة وبذلك يزداد إحترامها، ولكي تتجه دوماً مطاليب المواطنين المبنية من الآن على مبادءئ واضحة لا جدال فيها نحو صيانة الدستور

__________________________

(1) كل هذه التواريخ مستقاة من محاضرات الدكتور فاضل حسين في التاريخ الحديث


 

وسعادة المجموع، لذلك تقرر الجمعية الوطنية وتعلن امام الكائن الأعظم وبعنايته حقوق الإنسان والمواطن الآتية:

 

1-                          يولد الناس ويظلون أحراراً ومتساوين في الحقوق، لا تمييز ولا تفاضل بينهم إلاّ فيما تقتضيه المصلحة العامة.

2-           الغاية من كل مجتمع إنساني صيانة الحقوق الطبيعية الثابتة للإنسان، تلك الحقوق هي الحرية والتملك والطمأنينة ومقاومة الظلم.

3-                          الأمة مصدر كل سلطة، و لا يجوز لأية جماعة وأي فرد أن يمارس سلطة ليست مستمدة منها.

4-           تقوم الحرية على إمكان عمل كل ما لا يضر بالغير، ولذلك فإن ممارسة الحقوق الطبيعية لكل إنسان لا تقف إلا عند الحد الذي يضمن لبقية أعضاء المجتمع المتمتع بهذه الحقوق نفسها، ويمكن تعيين تلك الحدود بالقانون وحده.

5-           ليس للقانون أن يمنع غير الأعمال المضرة بالهيأة الإجتماعية، ولا يجوز منع أي عمل لم يحضره القانون، ولا يجبر احد على القيام بعمل لم يفرضه القانون.

6-           القانون هو الإعراب عن الإرادة العامة للمجتمع ، ولجميع المواطنين الحق في أن يشتركوا في سنه بأنفسهم أو بواسطة نوابهم. والقانون واحد للجميع في حالتي الحماية وفرض العقوبات ، ولما كان المواطنون سواسية أمام القانون ، فيحق لهم بالتساوي الوصول إلى جميع المناصب والرتب والوظائف العامة بحسب كفاءاتهم، ودون أي تمييز غير فضائلهم ومواهبهم.

7-           لا يجوز إتهام أ؛د أو توقيفه أو حجزه إلاّ في الأحكام المبينة في القانون، وبحسب الإلأجراءات المحددة فيه. ويجب أن يعاقب جميع الذين يطلبون تنفيذ أوامر تعسفية أو يوافقون عليها أو ينذونها أو يأمرون بتنفيذها ، ولكن على كل مواطن يستدعى او يوقف طبقاً للقانون أن يطيع حالاً ويكون مذنباً اذا قاوم.

8-           لا يجوز أن يفرض القانون من العقوبات إلاّ ما هو ضروري ضرورة جازمة وواضحة، ولا يصح عقاب إنسان إلاّ بموجب القوانين الموضوعة والمذاعة قبل إرتكاب الجريمة، والمعمول بها شرعاً.

9-           يعد كل إنسان بريئاً إلى ان تثبت إدانته، واذا اعتقد بضرورة توقيفه فالقانون يمنع تطبيق الإجراءات الشديدة إلاّ ما كان منها ضرورياً لبقائه رهن أمر السلطة .

10-                    لا يجوز إزعاج أحد بسبب آرائه حتى الدينية منها، بشرط ان لا تكون المجاهرة بها مخلة بالأمن الذي قرره القانون.

11- حرية نشر الأفكار والآراء اثمن حقوق الإنسان، فلكل مواطن أن يتكلم ويكتب ويطبع بحرية، على أن يكون مسؤولاً عن إساءة إستعمال هذه الحرية، في الأحوال التي يقررها القانون.

 12- يستوجب ضمان حقوق الإنسان ولامواطن ، قوة عامة، فهذه القوة تنشأ لمصلحة المجموع لا لمصلحة من توكل إليهم ادارتها.

13- لتأمين نفقات القوة العامة، ونفقات الإدارة، يجب جباية الضرائب العامة، ويجب توزيع الضرائب على كل المواطنين بالسواء كل على حسب طاقته.

14- لجميع المواطنين الحق في ان يتثبتوا بأنفسهم أو بواسطة نوابهم ن ضرورة الضرائب العامة ، وان يقبلوا بها برضاهم، ويراقبوا إنفاقها وبحددوا نسبتها ومقدارها وكيفية جبايتها ومدتها.

15- للهيأة ان تحاسب كل موظف عمومي عن أعماله.

16- كل هيأة إجتماعية لا تكون الحقوق مصونة فيها و لايضمن فصل السلطات ، تعتبر محرومة من الدستور.

17- الملكية الخاصة هي حق مقدس لا ينقض، فلا يجوز ان تنتزع من احد إلا عندما تقضي بذلك المصلحة العامة الثابتة شرعا، وبشرط ان يمنح مقدماً تعويضاً عادلاً.

(5)

 بعد هذه الجولة التأريخية، نستطيع أن نتميز بوضوح ، الحياة السيئة التي عاشتها شعوب اوربا الغربية أعواماً متطاولة من الدهر، كما نستطيع أن نرى كيف أن الفتح الذي أحرزته الفئة المظلومة، لم يرد إلا لمصلحة الطبقة الثالثة التي تعاني انواعاً من الضنك والحرمان.

 وعلينا فيما يلي أن بدأ بمناقشة هذا الإعلان على ضوء تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، مستعرضين في ذلك هذا الإعلان مادة مادة، لنستطيع ان نتميز بوضوح الفرق الشاسع بين الإسلام وبين الحقوق التي أثبتها هذا الإعلان، وكيف أن هذا الإعلان يتميز بضيق الأفق وقصر النظر، في حيث يتميز الإسلام بجميع تعاليمه بالعدالة والسعة والخلود. ولأجل أن يكون القارئ على إطلاع مفصل على اثر الروح لابرجوازية في هذا الإعلان، فسنذكر التفسير البرجوازي لكل مادة يمكن ان ينطبق عليها هذا التفسير، وتنص على ما تخلفه تلك الروح من أثر سيء في تعاليم هذا الإعلان ، ثم نتبعه بذكر التعاليم الإسلامية العادلة الخالدة.  

ونحن بالطبع لا يهمنا إلا مناقشة هذه المواد السعبة عشر من الإعلان، لأنها هي التي تنص على حقوق الإنسان والمواطن كما تفهمها الطبقة البرجوازية، أما المقدمة فليس فيها ما يجلب الإنتباه، فكان ينبغي أن نهملها، وأن نبدأ بمناقشة المادة الأولى وما بعدها، لولا وجود بعض الملاحظات المختصرة فيها. والتي يمكن إيضاحها في يلي: 

فقد أدعى أعضاء الجمعية الوطنية الفرنسية الواضعون لهذا الإعلان انهم نواب الشعب الفرنسي، وتلك حيلة إحتالوها على الشعب، لأجل أن يفرضوا آرائهم عليه بأدعاء أنهم ممثلون له، بدون أن يكون للشعب الفرنسي حق المناقشة والإعتراض. قود عرفنا فيما سبق انهم يمثلوا بوضعهم لهذا الإعلان إلاّ الطبيعة البرجوازية، على حين بقيت الأكثرية الساحقة من الشعب الفرنسي ترزح تحت نير الظلم والإستعباد.

 ومن هنا يتضح جلياً أيضاً أن إدعاءهم في كون هذا الإعلان يتكفل بيان ((حقوق الإنسان الطبيعية المقدسة الثابتة)) إنما هو إدعاء فارغ يقصد منه الخداع والتمويه، وإلا فهو لا يمثل الا مصالح وآراء الطبقة البرجوازية.

 

ومن ناحية ثالثة فإن تعبيرهم عن الله عزوجل بالكائن الأعظم، ناشئ من انهم لا يدركون عن حقيقة وجود الله تعالى إلا أنه كائن أعظم وحسب. وذلك لأنهم لم يكن بإستطاعتهم أن يدركوا الأوصاف التفصيلية التي أضفاها الإسلام على خالق البشر (عز وعلا)، حتى بلغ بصفاته إلى قمة التنزيه والكمال .

  وهذا التعبير قد إستعمله (روبسبير) وجماعته الذين قالوا : إننا نعبد الكائن الأعظم ، وهو وإن كان تعبيراً غامضاً عن الله (جل وعلا)، إلا انه يعبر عن وجهة تجريدية توحيدية في العقيدة الالهية. وهذه العقيدة مخالفة للتعاليم المسيحية الموضوعة التي كانوا يدينون بها، ويعيشون في بيأتها. وما مجاهرتهم بمثل هذا الرأي إلا للبداهة العقلية الفكرية التي يتميز بها وجود الله (عزوجل) ويتمثل فيها توحيده. مفضلين إتباع الحق على التقليد الأعمى للتقاليد المسيحية. تعضدهم بذلك روح التمرد والثورة التي إتصفوا بها.

 وسنبدأ فيما يلي بمناقشة الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن، مادة مادة، على نفس النهج الذي ذكرناه آنفاً، راجين من الله حسن التوفيق، ومنك أن تتابع المناقشة إلى نهايتها بقلب رحب يعمره الحق والإنصاف، وعسى أن اكون بعد ذلك قد حزت شيئاً من رضاك وقناعتك، لأكون قد اسديت لك وإلى الإسلام خدمة متواضعة أردو من الله العلي العظيم أن يجعلها قربة لوجهة الكريم، انه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير.

(6)

 المادة الأولى : يولد الناس ويظلون أحراراً ومتساوين ف يالحقوق، لا تمييز بينهم ولا تفاضل، إلاّ فيما تقتضيه المصلحة العامة. إن التأكيد على الحرية والتساوي في الحقوق في صدر هذه المادة منقول عن كتاب (روسو)، مما يدل على ان واضعي المادة كانوا متأيرين به. أما بالنسبة إلى عدم التفاضل بين المواطنين إلا فيما تقتضيه المصلحة العامة، فالمصلحة العامة تقتضي تقديرم البرجوازيين على من دونهم من العمال والفرحين، لأن الطبقة البرجوازية وحدها هي التي كانت تتمتع بالثقافة والوعي السياسي، ومن ثم تستطيع إدارة دفة الحكم في البلاد، ومن هنا نعرف أو واضعي هذا الإعلان انما يعنون بالمصلحة العامة، المصلحة البرجوازية، من حيث يعلمون أو لا يعلمون .

 أما بالنسبة إلى رأي الإسلام فيما إحتوته هذه المادة، فينبغي أولاً ان نقسمها إلى أقسام ثلاثة:

 ينص القسم الأول على الحرية، وينص القسم الثان يعلى التساوي بين المواطنين ، وينص القسم الثالث على أن التساوي يقف عندما لا تقتضبه المصلحة العامة . وذلك ليتيسر لنا أن ننظر إلى رأي افسلام بوضوح في كل قسم من هذه الأقسام.

 أما قولهم (يولد الناس ويظلون أحرارا)) فالحرية هنا مجملة يمكن ان يراد بها حرية التصرف وابداء الراي ويمكن اي يراد بها الحرية في مقابل مل كالإنسان للإنسان . والاحتمال الأول وان كان مرجحاً إلا انه من المحتمل انهم يريدون بالحرية تلك الحرية النائية من الولادة، وليست تلك الحرية الا إمتلاك ما كان في قبال ملك الانسان للانسان.

 أما حرية التصرف وإبداء الرأي، فالإسلام انما يقرها في حدود معينة. مستقاة من وجهة نظره الخاصة ، ولم يكن من الممكن ان يبيح الحرية المطلقة الخارجة من كل قيد وشرط ، لما يترتب عليها من التفسخ والفساد واضمحلال الأخلاق وإعتداء الإنسان على الإنسان ، كما أن سائر القوانين لم تجز هذه الحرية بمعناها المطلق، بل وضعتها في حدود معينة مستاة من وجهة نظرها وفلسفتها الخاصة.

 وإذا كان لا بد من تقييد الحرية المطلقة لأجل حفظ النظام وإستتباب الأمن وسيادة القانون. فالمشرع الحاذق هو الذي يضع الحدود عليها بأحسن شكل، يمكن به تجنب مساويها، وليس هو المشرع الذي يضع أقل كمية من الحدود، وكذلك فعل الإسلام في تشريعه الحكيم لمجتمعات العالم  فالإسلام ذلك الدين القيم الذي أنزل إلى البشر ليخرجهم من الظلمات إلى النور ويهديهم إلى الصراط المستقيم. قد وضع الحدود على الحرية بشكل يمنع الانسان من الفساد، ويترهه عن الموبقات، ويسمو به في درجات العدالة والكمال. فهو انما يبيحها في حدود من تعاليمه الدينية والواجبات الاخلاقية، وعدم الإعتداء على حقوق الآخرين. وسوف نستوفي البحث حول سائر جهات الموضوع عند تكرر التأكيد على الحرية في هذا الإعلان، وخاصة في المادة الرابعة والحادية عشر منه . إنشاء الله تعالى.

 أما رأي الإسلام في الأرقاء والعبيد، فهو باب متشعب الأطراف يمكن ان نلخص منه شيئاً لنعرف كيف ان الإسلام وان أجاز الرق إلا أنه حث على العتق كثيراً، وأوجبه في بعض الأحيان ، ولم يعترف بالرق إلا في الحالات التي يكون فيها الإسترقاق أفضل الحلول.

 فالدستور الإسلامي لم يجز استعباد الفرد إلا لأحد سببين أولهما إذا وقع اسيراً بيد الجيش الإسلامي الفاتح، واختار الحاكم الشرعي إستعباده من أحد خصال ثلاث، فإنه امّا ان يطلق الأسير، وامّا ان يفتديه، وامّا ان يستعبده، وليس له أن يقتله على الإطلاق والحاكم الشرعي، وهو الإمام العصوم المتره عن الخطأ والزلل، أمين الله في أرضه وحجته على عباده، لن يختار إلاّ ما فيه صالح المسلمين والأسرى ، فإن رأى من صالحهم أن يستعبده إستعبده، وإلاّ أطلقه أو إفتداه.

 والسبب الثاني للإسترقاق وهو أن يولد الفرد من أبوين مملوكين لم يتحرر منهما شيء، فإن ولد المولود من أبوين وكان أحدهما حراً إن المولود يتبع أشرف النسبين وهو الحرية.

 اما طرق الإسلام إلى العتق فهي كثيرة، نذكر منها على وجه الاختصار:

 

1-                          المكاتبة : وهو ان يعاقد السيد عبده على انه اذا جاءه بكمية معينة من المال في مدة معينة فهو حر.

2-                          التدبير : وهو أن يقول المولى لعبده أنت حر بعد وفاتي، فيتحرر بعد وفاته.

3-                          يتحرر العبد إذا نكل به مولاه، او اذا اقعد او اصيب بالجذام أو العمى.

4-           يتحرر العبد، اذا اشتراه ابنه، او ابنته، او احد ابويه، او احد اجداده، أو أحفاده، فان الشخص لا يملك – في شريعة الاسلام – اولاده وإن نزلوا، ولا آباءه وإن علوا.

5-           تتحرر الجارية إذا أصبحت ام ولد، فان الولد يكون حراً، لأنه يتبع اشرف الشجرتين، ثم هو يرث امه بعد وفاة ابيه ، فتنعتق من نصيبه  من الإرث ، لانه لا يملك امه. وهي في اثناء حياة سيدها يحرم بيعها، لانها متشبثة بالحرية.

6-           وهناك عدة المحرمات الإسلامية التي اذا ارتكبها لافرد فإنه يجب ان يعتق عبداً كفارة له عن عصيانه لأوامر الإسلام كالظهار، وقتل الخطأ ، وافطار يوم من شهر رمضان.

وهناك فوق ذلك كله هذا النداء العام الذي وجهة الإسلام إلى الناس لعتق أرقائهم ولارحمة بهم، وما وضع عليه من الثواب العظيم والحصول على رضاء الله (عزوجل) الذي هو الهدف الأعلى لكل مسلم في إسلامه. قال نبينا صلى اله عليه وآله(( من أعتق مؤمناً، أعتق الله العزيز الجبار، بكل عضو من عضوا من النار))(1) وقال أيضاً (صلى الهل عليه وآله وسلم) : ((من اعتق رقبة مؤمنة كانت فداءه من النار))(2).

 ومن هنها يتبين ان الإسلام دين حرية للعبيد وليس دين رق ولا استعباد كما يريد ان يؤكد عليه المغرضون من دعاة الالحاد.

 أما بالنسبة إلى مبدأ تساوي المواطنين بالحقوق والواجبات فهو مما أكد عليه الإسلام ونزل به القرآن، قال اله (عزوجل) : في كتابه الحكيم ((من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله وليا

________________

(1)                        تهذي الأحكام ج8ص216

(2)                        عوالي اللآلي ج3ص421


 

ولا نصيرا، ومن يعمل من الصالحات  من ذكر أو انثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا))(1)  فالمواطنون سواسية أمام القانون الإسلامي الخالد، يجزي كلا منهم بإحسانه وبذنوبه عقاباً من دوم تمييز ولا تفضيل.

 بل إن الاسلام بنظره الثاقب وعدالته المستقيمة ليذهب في المساواى إلى أبعد من ذلك. فالحاكم كما يجب أن يطبق القانون على المواطنين بالسوية وبدون أي تمييز، فإنه أيضاً يجب عليه ان يخضع نفسه وخاصة أهله وأصدقائه ، فضلاً عن سائر معارفه ومتعلقيه، للقانون نفسه، فيخضع الظالم منهم للمظلوم من غيرهم، وإلا كان ظالما مجحفاً بحق الآخرين. وذلك كما قال سيدنا وملانا أمير المؤمنين وسيد الوصيين (عليه الصلاة والسلام) في عهده لمالك الاشتر النخعي عندما ولاه مصر: ((أنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك وم لك فيه هوى من رعيتك، فإنك غلا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حجته، وكان لله حرباً حتى ينزع أو يتوب))(2).

 

بل أن رئيس الدولة الإسلامية خاضع إلى قانون المساواة ، المساواة اما العدالة والمساواة في الحالة ألإقتصادية ، بل انه أولى من سائر الشعب

______________________

(1)                        النساء آية (123 – 124)

(2)                        نهج البلاغة ص428


بذلك وأجدر، لأنه مثل أعلى للشعب من ناحية فيجب أن يتعلمون منه الخصال الحميدة العالية، وهو من ناحية اخرى رئيس للدولة، فيجب ان يشعر مثل هذ1 الشخص بآمال وآلام شعبه، ويعيش حالته الإقتصادية كأقل فرد  في الشعب لئلا ينسى حالة الفقراء والمعوزين والمظلومين، ولئلا تبطره النعمة فيستسلم إلى عالم الأحلام. ولقد كان سيد الأوصياء أمير المؤمني (عليه السلام) مثلاً رائعاً في ذلك حين نراه يقول : (( ولو شئت لاهتديت الطريق إلىمصفى هذا العسل ولباب هذا القمح ، ونسائج هذا القز. ولكن هيهات ان يغلبني هواي ويودني جشعي إلى تخير الأطعمة، ولعل بالحجاز او اليمامة من لا طمع له في القرص، و لاعهد له بالشبع، أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى واكباد حرى، او أكون كما قال القائل :

 

وحسبك داء ان تبيت ببطنه               وحولك اكباد تحن إلى القد

 

أاقنع من نفسي بأن يقال هذا امير المؤمنين، و لا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أ:ون أسوة لهم في جشوبة العيش))(1).

 

السلام عليك يا سيدي ومولاي يا امير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، لقد ضربت بكلماتك السامية مثلاً إسلامياً رائعاً في العدالة والمساواة، وعرفت

_________________________

(1) نهج البلاغة ص418


 

البشر كيف يجب ان يعيشوا، وكيف يجب ان يسلكوا حتى يحيوا متحابين متآلفين تسودهم العدالة، ويرفرف فوق رؤوسهم الرفاه والسلام.

 

اما بالنسبة إلى إيقاف المساواة بين المواطنين عند معارضتها بالمصلحة العام، فهو أمر صحيح بالنسبة إلى الإسلام في حدود معينة. فإن الاسلام الذي نشر تعاليمه لأجل المصلحة العامة، ولاجل ان يرقى بالبشر إلى الكمال، ليقدم الشخص الكفوء الذي يخدم شعبه ووطنه ودينه ويصلح للادارة وتصريف الأمور على الشخص الخامل الفاسق، فإن ذلك داخل في الحقيقة ضم المصلحة العامة، وغ، كان يظهر بمظهر تقديم الفرد. ولكننا يجب أن نفهم أولاً من هو الفرد الكفوء بحسب وجهة النظر الإسلامية لنحكم ما إذا كان تقديمه موافقاً حقا للمصلحة العامة أو لا.

 أن الفرد الكفوء في الإسلام ليس هو الرجوازي الطامع في إكتساب المال، المندفع وراء مصالحة وأهوائه، بل إن معايير الكمال في الفرد المسلم هي العلم والتقوى والجهاد، قال اله (عزوجل) في كتابه العزيز ((هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون))(1) وقال : ((ان العاقبة للمتقين))(2) وقال : (( وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيما))(3) .  كل هذه الأمور صفات نفسية روحية عالية ، وهي اولى

___________________

(1)                        الزمر آية  (39).

(2)                        هود آية (49).

(3)                        النساء آية (95)


 

بأن تسعى بصاحبها نحو الكمال من الصفات المادية الرخيصة، من الطمع في العرض الزائل، والتكالب على المتاع الدنيء. وهو إلى جانب ذلك يأخذ حصافة الرأي ، ودقة النظر، والقدره  على الإرادة وغيرها من الصفات في جملة المميزات للموظف في الدولة الإسلامية. ومثل هذا الموظف يستحق التقديم، ويكون – بالتأكيد – تقديمه في الصالح الحقيقي للشعب ، بخلاف تقديم البرجوازي الطامع في توسيع أملاكه والظالم للعمال والفلاحين.

 (7)

 المادة الثانية : الغاية من كل مجتمع إنساني صيانة الحقوق الطبيعية الثابتة للانسان ، تلك الحقوق هي الحرية والتملك والطمأنينة ومقاومة الظلم . تتجلى المصلحة البرجوازية في هذه المادة أيضاً بشكل واضح، فإنهم إنما أثبتوا لأنفسهم هذه الحقوق، وجعلوها الغاية في كل مجتمع إنساني، لأجل ان يضمنوا مصالحهم البرجوازية، ويطمئنوا على سعة تجارتهم وصناعتهم . فهم انما يقصدون بالحرية حرية التجارة والصناعة والتوسع بها على أكبر نطاق مستطاع، بدون ان تتدخل القوانين أو السلطات الحكومية في الحد من غلوائها، وإيقاف جماحها عند الحد العادل المعقول. كما انهم يقصدون بالحرية من ناحية أخرى ان يكون لهم الحق في تشغيل العمال اكبر عدد ممكن من الساعات في اليوم، وان يكون لهم الحق أيضاً في إعطائه أي كمية من المال شاءه لهم هواهم، بدون أن يكون للعامل أو حتى القانون أو السلطات الحكومية أي حق في فرض أي قيد على هذه الدكتاتورية الرأسمالية.

 ولعلنا لا ننسى في هذا الصدد أن القوانين في بلادهم موضوعة من قبلهم فهي ليست إلاّ صدى لمصالحهم وأهوائهم ، ورجال الحكومة ليسوا إلاّ افراد منهم، ومن ثم فليس هناك أي خطر علىالتوسع البرجوازي ، ولا يبقى لهذا العامل المسكين أي ناصر أو معين.

 أما بالنسبة إلى الحقوق الثلاث فالتملك واضح الأهمية بالنسبة إلى المصالح البرجوازية، لإنه داخل في صميم وجهة نظرهم الإقتصادية وذلك بالنسبة إلى الطمانينة، ويقصدون بها إلا يكون في البلاد قلاقل وإضطرابات ، لأجل ان تزدهر التجارة ولاصناعةفي ربوع الأمن والسلام. كم اأنهم يقصدون من مقاومة الظلم، ومقاومة الإقطاع من ناحية، ذلك الإقطاع الذي ذاقوا منه الظلم والتعسف مدة قرون طويلة، كما يقصدون من ناحية أخرى مقاومة من يتدخل في شؤونهم التجارية والصناعية ، ويحاول كفكفتها والحد من توسعها المفرط.

اما الإسلام ذلك الدين القيم الذي يسعى بالبشرية نحو الكمال والرقي والسعادة، فإنه لم يقتصر على هذه الحقوق فقط، فإن هذه الحقوق وحدها أقل شأناً وأضعف خطراً من أن تخدم الإنسانية بجميع وجوه سلوكها وعلاقاتها، حتى وإن أولت هذه الحقوق تأويلاً صحيحاً وصرفت عن تفسيرها البرجوازي، لأنها ليست إلاّ أربع حقوق! في حين إننا نجد الإسلام قد جعل طائفة كبيرة من الحقوق لكل واحد تجاه الآخرين، وذلك ليضمن سيادة الأخلاق والفضيلة في ربوع المجتمع، ولترفرف عليه ألوية السعادة والرفاه.

ويمكن ان نرجع في استعراض هذه الحقوق الإسلامية إلى رسال الحقوق التي أملاها الإمام زين العابدين وسيد الساجدين علي بن الحسين (عليه أفضل التحية ولاسلام)، لنرى الأوج السامي الذي بلغته التعاليم الإسلامية في تحديد العلاقات الإنسانية ، والزامها بأفضل الصفات وأنبلها، فقد حددت تلك الرسالة حقوقاً وآدابا لعلاقة الإنسان بربه، وعلاقته بنفسه وأفعاله، وعلاقته بغيره سواء كان هذا الغيرحاكماً أو محكوماً، معلماً او تلميذا ، زوجاً أو زوجة ، والدا أو والدة، بنتاً أو ولدا، بعيدا او قريبا، وسواء كان ذلك الغير جاراً او صاحبا، شريكا أو غريماً، مشيرا أو مستشيرا، سائلا أو مسؤولاً، صغيرا او كبيرا، إلى آخر ما فيها من تفاصيل، وقد اثبتت لكل هؤلاء حقوقاً ونصحتهم بنصائح، لو اتبعوها لكانوا في اعلى مراقي السعادة والكمال . فمن المستحسن لك ان تراجعها لكي تحصل على كتر إسلامي ثمين.

اما بالنسبة إلى رأي الإسلام في هذه الحقوق الأربعة التي أثبتها واضعو هذا الإعلان، وجعلوها طبيعية ثابتة للإنسان ، إنه قد مضى شيء م الكلام حول الحرية، وسيأتي ما يفي بحق المووضع اما بالنسبة إلى التملك فسيأتي الكلام حوله في المادة الساعبة عشر إنشاء الله تعالى.

اما الطمأنينة فهي تعني السلام الذي رأينا كم دعاة الإلحاد من الشيوعيين يطلبون له ويزمرون به في سبيل ترويج دعوتهم الحمراء، ويجعلون دعوتهم إليه مقرونة مع الخروج على الدين والتمرد على تعاليمه الإسلامية الخالدة، كأنهم لم يعلموا أنه ليس ف يالعالم جاهل او مجنون فضلاً عن العاقل المفكر من يود الحرب وإراقة الدماء، فإن حب النفس والركن إلى الأمن والطمانينة غريزة من الغرائز المتأصلة في النفس الإنسانية، وانه ليس ادعى للهلع والذعر للقلب الإنساني من منظر القتل والحروب.

والدين الإسلامي من الموافقين على أساس هذه الفكرة، فكما إن حفظ النفوس وسعة التجارة والصناعة لا يتمان إلا في جو من الأمن والسلام، فكذلك لا يمكن انتطاع التعاليم الدينية او ان يقوم الإنسان  الشرعية ، او ان يتعلم من العلوم التي حث عليها الإسلام، او يقوم بصلة أقربائه وأصدقائه، تلك الصلة التي دعى لها الإسلام ووضع لها النظم والنصائح الثمينة، ولا ان تنفذ سائر التعلايم الإسلامية على وجهها الصحيح ، إلا في ظل من السلام والوئام.

إلا إن الاسلام ابعد نظراً واعمق تفكيراً من ان يدعو إلى السلام على كل حال ، وان اعتدى على الامة المعتدون ، ونال منها النائلون ، وتعرض دينهم الحنيف إلى الخطر الشديد، بل إن هذا الأمر من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى أي تفكير، وهو مما توافق عليه سائر الأنظمة في العالم بالنسبة إلىحماية أنفسها، وحتى هؤلاء الدعاة الملحدون . فإن الدفاع عن النفس حق مقدس ناشئ عن حب الإنسان لنفسه، ذلك الحب الذي هو غريزة متأصلة في نفس الإنسان.

ومن هنا تتضح وجهة النظر الإسلامية بالنسبة إلى مقاومة الظلم الذي يرجع في الواقع إلى حق الدفاع عن النفس، وهو حق معترف به في الإسلام.

المادة الثالثة : الأمة مصدر كل سلطة و لا يجوز لأي جماعة او أي فرد ان يمارس سلطة ليست مستمدة منها.

هذه المادة هي من اكبر ركائز الفكر الحديث، حيث تنص على الإسلوب الديمقراطي للحكم، وتوجب ان يصدر القانون عن الامة او عن ممثليها، و لايجوز ان يفرض على الامة فرضاً.

 

 

الصفحة التاليه                الكتب الاسلاميه