جمهرة أنساب أمهات النبي

صلى الله عليه وآله وسلم

وهو

ديوان الأمهات

جمع وتأليف

السيد الحسين بن حيدر الهاشمي الحسيني  

رقم الإيداع:2621/18

ردمك:6ـ29ـ649ـ9960

فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية

جمهرة أنساب أمهات النبي صلى الله عليه وآله وسلم

المدينة المنورة

.. ص، ..سم

1ـ السيرة النبوية  أـ العنوان

ديوي239              2621/18

الإهداء

إلى كل محب لرسول الله صلى الله عليه وسلم في مشارق الأرض ومغاربها

إلى ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم وعترته الشريفة وآل بيت النبوة في كل مكان؛ أبناء عمومتي.

إلى كل مجتهد من تلاميذي في كل صقع. .

 

                                        . . أهدي هذا الكتاب

الحسين بن حيدر الحسيني

المدينة المنورة

مقدمة النسخة الثانية

أحمدك اللهم على سوابغ نعمك ، وعواطف كرمك ، وأستهديك قريباً هادياً ، وأستعينك قاهراً قادراً ، وأتوكل عليك كافياً ناصراً ، وأشهد أن محمداً  صلى الله عليه وآله وسلم  عبده ورسوله  , أرسله لإنفاذ أمره ،  وإنهاء عذره ، وتقديم نذره .

أما بعد : فهذه النسخة الثانية من كتاب الجمهرة ، بعد أن زدتها يسيراً ، وأنقصت منها يسيراً ، ونقحتها يسيراً ، وكانت طباعتها عام 1418هـ ، فلقيت ولله الحمد استحساناً من ذوي الاختصاص ، وإن لم تخلو من بعض الهفوات ، وكان لها أثر في إنعاش هذا الفن من علم النسب – أعني أنساب الأمهات – بل إنها قد حضت البعض لتعلمه ، والآخر لتطبيقه في خصيصة نفسه أو لغيره . وهو فن عرف به الإمام الشافعي رحمه الله .

ثم إني أردت أن تعم الاسفادة منه ، فرأيت أن أنشره عبر ( الإنترنت ) ، ليصل – بحوله تعالى – إلى أرجاء المعمورة ، ولا حرج لمن أراد نشره أن ينشره ، ولمن أراد أن يترجمه إلى أي لغة أن يترجمه ، لأي فرد أو مؤسسة ، والله ولي التوفيق ، وعليه التكلان .

 

الحسين بن حيدر الهاشمي الحسيني

 

تقديم

بقلم فضيلة الدكتور المسند الشيخ / يوسف بن عبد الرحمن المرعشلي الحسيني

استاذ التفسير والتجويد في المعهد العالي للدراسات الإسلامية في بيروت والباحث في مركز خدمة السنة والسيرة النبوية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

 

إن الحمد لله نحمد ونستعينه ، ونستهديه ونسترشده ونستغفره ، وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له ، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله ،وصفيّه وخليله ، أخرجه بالهدى ودين الحق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ، مصابيح الهداية ، وبعد :

فلا يخفى أن علـم الأنسـاب علم مندوب إليه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم ) وذكر البلاذري عن المدائني ، عن أبي الزناد ، عن أبيه ، أنّ عبد الله بن عمر قال لابنه واقد : انسُب نفسك وأمهات أبيك ، فلم يعرف ذلك ،فقال : يا بُنيَّ إن من لم يعرف نسبه لم يصل رحمه ، ولم يقض حقاً .

والعرب تعني بأنسابها لتصل رحمها ، وليُعرف الأصيل وتتقوى به قبيلته في كل ما يعنيها سلماً وحرباً ، وتحذر الدخيل الذي قد يخش من جهته الخذلان .

وقد اهتم به العلماء في القديم والحديث ، فبينوا أنساب قبائل العرب عامة ، ووضعوا في ذلك المؤلفات العديدة المفيدة :

فوضع هشام بن محمد السائب الكلبي النسّابة ( ت204ﻫ ) كتاب ( جمهرة  النسب ) .

ووضع أبو جعفر محمد بن حبيب ( ت245هـ ) كتاب ( مختلف القبائل ومؤتلفها ) ووضع أبو العباس محمد بن يزيد المبرد ( ت286ﻫ )كتاب ( نسب عدنان وقحطان ) .

ووضع الوزير أبو القاسم الحسين بن علي بن الحسين ابن المغربي ( ت418ﻫ ) كتاب ( الإيناس في علم الأنساب ) .

ووضع أبو محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي ( ت456ﻫ) كتاب   ( جمهرة أنساب العرب ) .

ووضع الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد الله ابن عبد البر النمري القرطبي              ( ت463ﻫ ) كتاب ( الإنباه على قبائل الرواة ) وكتاب  ( القصد والأمم في التعريف بأصول أنساب العرب والعجم ) .

ووضع أبو العباس أحمد بن علي بن أحمد بن عبد الله القلقشندي ( ت821ﻫ ) كتاب ( نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب ) .

ووضع أبو الفوز محمد أمين البغدادي الشهير بالسويدي ( ت1246ﻫ ) كتاب ( سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب ) على شكل مشجرات .

واهتم بعضهم بأنساب الأشراف خاصةً ، وله في ذلك تآليف عديدة :

فوضع النسّابة المؤرخ الشهير أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري ( ت279 ﻫ ) كتابه الشهير ( أنساب الأشراف ) .

ووضع أبو الفرج على بن الحسن الإصبهاني ( ت356ﻫ)كتاب ( مقاتل الطالبين ) .

ووضع أبو النصر سهل بن عبد الله أبو داوود البخاري ( حياً341 ﻫ ) كتاب      ( سِرّ السلسة العلوية ) .

ووضع السيد الشريف النسّابة نجم الدين أبو الحسن علي بن محمد بن علي العلوي العمري ( ق5ﻫ) كتاب ( المجدي في أنساب الطالبين ) .

ووضع السيد عز الدين أبو طالب اسماعيل بن الحسين بن محمد المروزي             ( حياً614ﻫ ) كتاب ( الفخري في أنساب الطالبين ) .

ووضع الإمام موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد ابن قدامة المقدسي    ( ت620ﻫ ) كتاب ( التبيين في أنساب القرشيين ) .

ووضع العلامة الحافظ محب الدين أحمد بن عبد الله الطبري ( ت694ﻫ)كتاب ( ذخائر العقبي في مناقب ذووي القربى ) .

ووضع المؤرخ النسابة العراقي جمال الدين أبو العباس أحمد بن علي بن حسين ابن عنبة الداودي الطالبي الحسني ( 828ﻫ ) كتاب ( عمدة الطالب في أنساب آل أبي   طالب ) .

ووضع النسابة السيد علي بن الحسن بن شدقم الحسيني ( ت1033ﻫ ) كتاب ( زهرة المقول في نسب ثاني فرعي الرسول ) ، ثم اختصره في كتاب ( نخبة الزهرة الثمينة في نسب أشراف المدينة ).

ووضع عبد الرحمن الأنصاري : ( تحفة المحبين والأصحاب في معرفة ماللمدنيين والأنساب ) . وغيرها الكثير.

وقد اهتم علماء الأنساب ببيان نسب النبي العربي الكريم فهو سيدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن حكيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان .

وكان جل اهتمامهم منصباً على بيان آبائه وأجداده من الرجال ، ولم أجد أحداً منهم يهتم ببيان نسبه من جهة أمهات أبيه وأمه ([1]) حتى جاء اللوذعي النسابة الأستاذ / السيد حسين بن حيدر بن محبوب الهاشمي ، واهتم بجمعهن في هذا الكتاب من سائر المصادر ، فبين فيه أم أبيه وأم جده ... وهذا من جهة آبائه ، ثم أم أمه ، وأم أبيها وأم أمها ... وهكذا ، معتمداً في جمعه على مصادر الأنساب ، ثم توج عمله في كل فصل برسم مشجرات تقرب لذهن القارئ بالرسم ما تعب في بيانه بالشرح . وقد وضع في كتابه هذا لبنة جديدة في علم الأنساب وخاصة النسب الشريف .

أسأل الله أن يكلل عمله بالنجاح ، وأن يكتبه في صحائف أعماله ، وأن ينفع به صاحبه وقارئه ، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ، والحمد لله أولاً وآخراً .

وكتبه الفقير إلى رحمه ربه

يوسف عبد الرحمن المرعشليّ

نزيل طيبة الطيبة

مساء يوم 20/7/1418ﻫ


 

تقريظ

بقلم فضيلة الشيخ النسابة الشريف

علي بن عبد الكريم بن محمد الفضيل شرف الدين

بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله .

لقد اطلعت على ما ألفه الشريف حسين بن حيدر بن محبوب الهاشمي الحسيني وكتابه ( جمهرة أمهات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ) ، والحقيقة أنه كتاب قيم ، وجمع حافل لسلسلات أمهات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، من قبل أمه آمنة بنت وهب ومن قبل أبيه عبد الله بن عبد الطلب بن هاشم ، وهو يدل على سعة اطلاعه ودقته في جمع أنساب أمهات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وما بذله من جهد مشكور في تتبعه لتلك السلسلات وتوثيقه لها من قبل المؤرخين والنسابين في كل عصر من عصور المؤلفين .

الحقيقة أنه رعاه الله قد جمع فأوعى ، ونال بذلك شرف العمل التأريخي لكل عصر من عصور المؤلفين ، وبذلك سوف ينال الشرف لتأريخه وتسجيله لتلك السلسلات الطيبة المطيبة التي أنجبت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .

وهو حقيق بذلك أن ينال الشرف في تسجله النسب المبارك للطيبين المطيبين ، فجزاه الله عنا خيراً ، وجازاه على مؤلفه خير الجزاء .

وحيا الله العلماء العاملين وجزاهم خيراً ، وسلام الله تعالى على رسوله وآله والتابعين ، والحمد لله رب العالمين .

التوقيع

علي بن عبد الكريم بن محمد الفضل شرف الدين

30 / 7 / 1418 ﻫ

 

 

 

 

المقدمة

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين ، والمبعوث رحمة للعالمين ، وعلى أزواجه وذريته وصحابته أجمعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

أما بعد ...

فإن مجال السيرة النبوية مجال خصب وواسع فسيح ، لتعدد جوانبها ولا جرم كونها سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فثمة من كتب في سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل مولده ، أعني عن مجتمع قومه وعن نسبه ، وثمة من كتب عن طفولته وأيام شبابه ، ومنهم من كتب عن مبعثه وإرهاصات النبوة ، وهناك من خص الكتابة عن هجرته ، ومنهم من جمع ذلك كله وكتب عن سيرته المكية ، ثم هناك من كتب عن سيرته المدنية وعن مجتمع المدينة في عهده ، وبعض المؤلفين قصروا الكتابة على غزواته ، ومنهم من سلك مسلكاً آخر إذ كتب عن أزواجه أو أولاده ، ومنهم من جمع ذلك كله مكية ومدنيه قرب أم بعد بل حتى الكتابة عن أصحابه ، وكتابنا هذا موضوعه نسب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونسب أمهاته من أي الجهات كُنَّ ، وهو موضوع جدير بالبحث والتتبع وهو وإن كان الأقدمون قد دونوا فيه إلا أنهم لم يتوسعوا ذلك التوسع الذي كنا نتطلع إليه ؛ ذلك التوسع الذي لو نتج بفعل أيديهم لكان أفضل وأكمل ، ولكن لا ضير ؛ إذ قد جمعت في هذا الكتاب انساب أمهات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمهات آبائه استخرجتهن من أسفار الأوائل ، وتتبعت طرق أنسابهن من لدنه صلى الله عليه وآله وسلم ؛ واسطة القلادة وخلاصة المطيبين البطاح ، وسليل الفضول الكرام([2]) والصميم من ذؤابه هاشم ، الذي ملأ الله بالصلاة والسلام عليه السماء والأرض ، وشهد له العدو و الصديق ، القريب والبعيد ، بطهارة النسب وخلوص الحسب الممحض من كل عيب وسفاح ، صاحب ذروة الحسب ومعدن المجد ، سليل قريش الصريحة من كنانة ، الصريحة من ولد اسماعيل ، القائل : ( نحن بنو النضر ، لا نقفوا أمنا ولا ننتفي من أبينا ) .

وسليل كل ذي بيت وشرف من العرب بمختلف أعراقها ، ومن غير العرب .

فجئتَ مُهَذَّبَ الأَعْرَاقِ مَحْضَاً

 

 

سُلاَلَ الصَفْوِ مِنْ كَرَمٍ قَطِيْبِ

 

تجده قد أخذ من كل قوم كرام شعبة ، وأي فرع ؟! وأي شعبة ؟! إنه لعمر الله أحسنها ورقاً وأينعها زهراً وأنضجها ثمراً وأعلاها ذروة ،قرم كل شجرة ، كمثل شجرة الإيمان ، قرن الله اسمه مع اسمه في أعلى فرع لها ، وما كان أدناها بخسيس ولا مبتذل ، كأن آبائه في الناس بدور الدجى والشمس في رابعة النهار ، وانها العقد الفريد ، والدر المنضود بسلسلة الذهب الحر النقي ، كأنك حين تنظر في آبائه لاتدري أيهم كان أهذب وأكرم من الآخر الابن أم أبيه ، لاترى في نسبه عوجاً ولا عيباً ، ولا ترى إلا مهذباً يعقبه مهذب ، بدور قد توسطت سماء العلا والعدل زهراً وكملاً ، لها شهب عنها استنارت فنورت ، سواد الدجى حتى تفرق وانجلى ، وسوف تراهم واحداً بعد واحد ، مع اثنين من أصحابه متمثلاً ([3])  .

نسبٌ كأن عليه من شمسِ الضحى
ما فيه إلاَّ سيدٌ من سيدٍ

 

 

نوراً و من فلق الصباح عمودا
حاز المكارم و التقى و الجودا

 

      ولقد كنت لما بلغني قول ابن عباس رضي الله عنهما : إنه لم يكن بطن من قريش إلاكان له فيهم قرابة أو ولادة ، وذلك بخصوص قوله تعالى : ) قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ( أردت أن أعرف نوع هذه القرابه ، فتتبعت نسبه صلى الله عليه وآله وسلم فأستخرج امهاته من قريش ، غير أني وجدت نفسي مضطراً لأن أذكر أمهاته من غير قريش ، وكما قالوا ( الحديث ذو شجون) فاستحسنت ذلك أيضاً ، خاصةً بعد أن بلغني أيضاً قول ابن عباس في قوله تعالى :  ) لقد جاءكم رسول من أنفسكم ( قال : قد ولدتموه يا معشر العرب ، فزادني ذلك ارادة معرفة من من العرب ولده ، ولا شك أن من ولده أفضل ممن لم يلده ، وأن فضل من ولد رسول الله كفضل من ولده رسول الله فجعلتُ أتتبع ولادته فوجدته قد حاز الشرف كله فما افترق الناس فرقتين إلا وكان هو في ذات البيت أو ذات البيت والعدد ،بل حتى أمه هاجر القبطيه أم اسماعيل بن ابراهيم قالوا عنها أنها كانت بنت ملك من ملوك مَنَف.

قال الماورديّ : لما كان أنبياء الله صفوة عباده وخير خلقه ، لما كلفهم من القيام بحقه ، استخلصهم من أكرم العناصر وأمدهم بأوكد الأواصر ، حفظاً لنسبهم من قدح ، ولمنصبهم من جرح ولتكون النفوس لهم أوطأ و القلوب لهم أصغى ، فيكون الناس إلى إجابتهم أسرع ولأوامرهم أطوع ([4])  .

وصدق الله تعالى اذ قال : ) الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات ... (([5]) .

روى الترمذي ومسلم واللفظ له عن واثلة بن الأسقع قال : سمعت رسول الله r يقول : ( إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة واصطفي من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم ) .

وقال العباس بن عبد المطلب : قلت يا رسول الله إن قريشاً جلسوا فتذكروا أحسابهم بينهم فجعلوا مثلك مثل نخلة في كبوة من الأرض ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( إن الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم ؛ من خير فرقهم ، وخير الفريقين ، ثم تخير القبائل فجعلني من خير قبيلة ثم تخير البيوت فجعلني من خير بيوتهم ، فأنا خيرهم نفساً وخيرهم بيتاً ) .

وروي عنه أنه قال : ( لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفى مهذباً ؛ لا تتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما ) .

ولقائل أن يقول : هناك من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من طريقين أو أكثر فأيُّ هذه الطرق أفضل ؟

والجواب على ذلك : أن التفضيل واقع في كل طريق منهما ،  غير أن المفضل والمقدم هو طريق الذكور الذي لا أنثى فيه ، كمثل غالب بن فهر هو خير وأفضل من أخويه الحارث ومحارب ابنا فهر ، وكل ولده ، لكون غالب قد ولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلا عن رجل ، فلا يقارن غالب بن فهر بمحارب بن فهر أو بالحارث بن فهر ، فذلك فاضل وهذان مفضولان ، وإنما ترد المفاضلة في الحارث ومحارب أيهما الأفضل إذ كلٌ والد أم هما في الفضل سواء ؟

والجواب في نحو هذا أن يقال : أيهما كان أقرب لرسول الله ولادة وأقل أفراداً بينه وبين رسول الله كان أفضل ، ووجه آخر للمفاضلة : أن يقال أيهما كان أكثر ولادة كان أفضل ، وهذا أقوى من الأول ، إذ أن كثرة الولادة تدل بحق على فضل الوالد .

وكذا المقدم من ولدي كلاب بن مرة هو قصي بن كلاب ، لكون
 زهرة بن كلاب جد رسول الله لأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب ، وقد قال الله تعالى
) وليس الذكر كالأنثى (  سورة آل عمران /36 وقال عز وجل : ) الرجال قوامون على النساء (  سورة النساء /34 .

ولكن أيهما أفضل زهرة بن كلاب أم عبد قصي بن قصي بن كلاب وكلٌ والد ؟ فعبد قصي بن كلاب من قوم أفضل جملة غير أنه أبعد ولادة ([6]) ، وزهرة أقرب لرسول الله من عبد قصي بن قصي ، فزهرة أفضل من أجل ذلك لمقامهم من النبي .

وأيهما أفضل رهط أمه أم أخوال أبيه؟  فلعل الأول أفضل .

وأيهما أفضل أخوال أمه أم أخوال أبيه مخزوم ؟ ويقال لمخزوم ، ( ريحانة قريش ) وأخوال أمه بنوا عبد الدار بن قصي بن كلاب ، فهم آل قصي فهم يفضلون بهذا ومخزوم تفضل بكونها أخوال أبيه نظراً لمكانة الأب . وهذه المفاضلة إنما تكون في الرهط الواحد ولكن حين تختلف القبائل فالأفضل ما دل عليه الدليل ، فالأنصار وهم أخوال عبد المطلب بن هاشم وجهاء وقد علم الناس شر ف الأنصار في الجاهلية وفي الإسلام ، غير أن قريش كلها أشراف من الأنصار وأكرم ، حتى بطونها التي لم تلد رسول الله ، غير أن من حاد الله ورسوله فلا شرف له ولا كرامة ، واذكر ) تبت يدا أبي لهب وتب ( والله تعالى أعلم .

وقال الله عز وجل : ) لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ماعنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ( ، ( سورة التوبه / 128) .

قال السمين الحلبي في الدر المصون ؛ قوله ) من أنفسكم ( صفة لـرسول أي من صمم العرب وقرأ ابن عباس وأبو العالية والضحاك وابن محيصن ومحبوب عن أبي عمرو ، وعبد الله بن قسيط المكي ويعقوب من بعض طرقه ، وهي قراءة رسول الله وفاطمة وعائشة ؛ بفتح الفاء ) من أنفسكم ( أي من أشرفكم من النفاسة ([7])

وروى ابن سعد من طريق الكلبي عن ابن عباس في هذه الآية قوله ( قد ولدتموه يا معشر العرب ) ([8])

وعن سفيان بن عيينه عن جعفر بن محمد عن أبيه قال في هذه الآية ، لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية ، قال وكان رسول الله يقول : ( خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح ) ([9]) .

وإن كان الله تعالى قال مخاطباً أمهات المؤمنين ) إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ( ([10]) فلأن يكون الرجس ناءٍ عن رسول الله من باب أولى والذي بسببه وبسبب أهل الكساء حصل لهن هذا الفضل العظيم والذي يقتضي أيضاً طهارة أصولهن ونقاوتها .

وروى البخاري في صحيحه بمسنده عن أبي سفيان حينما كان في حضرة هرقل عظيم الروم ، فسأله هرقل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال لترجمانه : ( سله كيف حسبه فيكم ؟ ) قال أبو سفيان ، قلت : ( هو فينا ذو حسب ..) ثم قال هرقل لترجمانه : ( قل له إني سألتك عن حسبه فيكم فزعمتم أنه فيكم ذو حسب ، وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها ) ([11])قال الحافظ بن حجر : ( قوله كيف حسبه ) كذا هنا وفي غيرها     ( كيف نسبه ؟ )والنسب الوجه الذي يحصل به الإدلاء من جهة الآباء ، والحسب ما يعده من مفاخر آبائه ، وقوله ( هو فينا ذو حسب ) وفي غيرها ( ذو نسب ) واستشكل الجواب لأنه لم يزد على ما في السؤال لأن السؤال تضمن أن له نسباً أو حسباً ، والجواب كذلك ،وأجيب بأن التنوين يدل على التعظيم كأنه قال : هو فينا ذو نسب كبير أو حسب رفيع ، ووقع في رواية ابن إسحاق ( كيف نسبه فيكم ؟ قال في الذروة ) وهي بكسر المعجمة وسكون الراء أعلى ما في البعير من السنام ، فكأنه قال هو من أعلانا نسباً ، وفي حديث دحية عند البزار ( حدثني عن هذا الذي خرج بأرضكم ماهو ؟ قال : شاب ، قال كيف حسبه فيكم ؟ قال : هو في حسب ما لا يفضل عليه أحد ، قال : هذه آية )([12]) .

قال قتادة ذكر لنا أن النبي r قال : ( إن الله إذا أراد أن يبعث نبياً نظر إلى خير أهل الأرض قبيلة فبعث خيرها رجلاً )([13]) .

وهذا التخيير وهذا التفضيل ليس مختصراً على نسب النبي r من قبل الرجال الذين ليس لهم امرأة إلى آدم ، بل إن الأمر أعم من ذلك فيدخل فيه أيضاً أمهاته إذ أن الله قد تخير له الأمهات من خير القبائل وخير البيوت فما افترق الناس فرقتين إلا وكان آبائه وأمهاته في خير الفريقين وإن تفاضلت الأمهات بعضهن على بعض ، ولقد قال أقوام إن جميع آبائه صلى الله عليه وآله وسلم لايوجد بينهم كافر لقوله تعالى : ) وتقلبك في الساجدين ( ([14]) وغير ذلك من أدلتهم .

 وقال بعض العلماء بل معناها تقلبه في أصلاب الأنبياء، وقد روى هذا عن ابن عباس ([15]) وهناك تفسير آخر للآية تجده مبسوطاً في كتب التفاسير ثمَّ ([16]) .

وإلا فقد ولده آزر وهو كافر وولده من جهة الأمهات عمرو بن ربيعة أبو خزاعة .

وهو أول من غير دين إبراهيم في الأرض وحمل العرب على عبادة الأصنام أو هو عمرو بن عامر بن قمعة أو هو عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف([17]).


 

([1]) الا أن بعضهم ذكر بعضهن .

([2]) الفضول : قبائل من قريش وهم بني هاشم وبنو المطلب وبنو زهرة بنكلاب وبنو أسد بن عبد العزى وبنو تيم بن مرة ؛ عقدوا حلفاً في دار عبد الله بن جدعان التيمي وعهداً ليكونن يداً واحدة مع المظلوم على الظالم فقالت قريش لقد دخل هؤلاء في فضل من الأمر ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ماأحب أن لي به حمر النعم ، ولودعيت إليه في الإسلام لأجبت .

=والمطيبون : قبائل من قريش تحالفت على قبائل  أخرى من قريش ، فغمسوا أيديهم في جفنة ملؤها طيباً فسموا المطيبين ، والذين في مقابلهم هم الأحلاف أو لعقة الدم . 

والبطاح : القبائل القرشية التي كانت تسكن بطحاء مكة في بطنها أي حوالي البيت والذين في مقابلهم يقال لهم قريش الظواهر ، لكونهم يسكنون ظاهر مكة .

([3]) هذا استعرناه من نظم الشاطبية .

([4])  اعلام النبوة (166-167) .

([5])  بعض آية من سورة النور رقم (26) .

([6])  أم عبد الله بن عبد المطلب ؛ فاطمة المخزومية ،وأم فاطمة هذه صخره المخزومية ، وأم صخرة هذه تخمر بنت عبد قصي بن قصي بن كلاب .

([7])  (3/514) وانظر القراءات الشاذة وتوجيهها من لغة العرب للشيخ عبد الفتاح القاضي (52) .

([8])  (1/19) .

([9])  عيون الأثر (1/32)-تيسير العزيز الحميد (348) .

([10])سورة الأحزاب /33 ، وانظر البداية والنهاية لابن كثير ( 2/257) .  

([11])  الحديث بطوله (65/4553) .

([12])  فتح الباري ( 8/217) وانظر صحيح مسلم مع شرح النووي (12/103) .

([13])  طبقات ابن سعد (1/22) .

([14])  سورة الشعراء /219 .

([15])  طبقات بن سعد (1/22) الماوردي في أعلام النبوة (186) .

([16])  انظر على سبيل المثال أضواء البيان للشنقيطي (6/388) .

([17])  انظر فيض القدير مثلاً (3/94) .

الصفحة التالية