الفقر و السياسة في العراق

 
نبيل صائب الاعرجي:-
ان يكتب الانسان عن الفقر يعني ان يقترب من اشد جروح الانسان اثارة للالم وخدشا للكرامة واتهاما لرأس المال وما يترتب عليه من سلطات وما ينشئه من مؤسسات، من يكتب عن الفقر يلاحظ فورا ان في ذهنه صورة نمطية للفقير ربما تعد موجودة اليوم بكل تفاصيلها، وفي اعتقادنا ان جل ما نسعى اليه هو التخفيف الى اقصى حد ممكن من ظاهرة الفقر،

بل وفي احسن الاحوال، جعلها تمثل وجها من وجوه الرفاهية وليس نقيضا حتميا لها ولكن ومع كل التطورات الفكرية، واتساع نطاق البحث العلمي وتعدد المؤتمرات والندوات ومع هذا التداخل المنهجي والنظري بين العلوم السلوكية،
فان تعريف الفقر ظل عصيا، وحين نفتقر الى تعريف دقيق ولا نقول جامعا مانعا لظاهرة معينة فان من الصعب جدا اخضاعها لدراسة موضوعية ذات نتائج يعول عليها ومن ثم فان الوصفات التي تطرح او تقترح لاجتثات الفقر ستظل نتاج اجتهادات لا تخلو من مضامين ايديولوجية، ولا تتحرر من طابع التخريب والتغريب،
ويزداد الامر تعقيدا حين نلقي نظرة على العراق بكل ما يضمه من موارد وامكانيات بشرية ومادية، وما يضمه ايضا من اعداد متزايدة من الفقر، وعليه وهو يزداد تهميشا في نظام دولي يسوده حق القوة، ويخترق فيه السوق الثقافية، ويتراجع دور المنظمة الدولية عمليا على الرغم من دورها نظريا على صعيد الاعلانات والصكوك والاتفاقيات والمؤتمرات، ان معظم ادبيات الفقر ولا سيما الدولية منها غالبا ما تغض النظر عن المضامين السياسية لمفهوم الفقر،
وتركز من ثم على قياس الفقر من خلال الفرص والامكانات الاستهلاكية التي تمكن الفقير من”الاكل “ ومن ثم مواصلة العيش، من دون ان تمكنه من اكتساب سلطة يغير من خلالها منزلاته وادواره، من الفقر يأكل والغني يتخم.ولذلك تبدو ثنائية الفقير والغني باطلة لان بينهما درجات يصعب حصرها كما ان بينهما مديات للسلطة تجعل الفقر وظيفة الغنى، وتجعل الغني حاكما وشاهدا، والفقير مذنبا وضحية...
ام اننا في كلام كهذا نقع في فخ الايديولوجيا؟ واذا كان الامر كذلك الا يقتضي بنا ذلك المزيد من موضوعية التحرر العقلاني من ضغوط القوالب النمطية على العقل؟ تلك الضغوط التي لم تستطع العلوم السلوكية وفي مقدمتها علم الاجتماع من اخفاء اثرها على صعيد التنظير والتفسير والتبرير، لقد ارتبط تعريف الفقر بمحاولات الاجابة عن الاسئلة الاجتماعية المعقدة المتعلقة بالملكية والعلاقات الطبقية ودور السلطة السياسية وتصورات الفقير عن ذاته وعن مجتمعه ولذلك كان التاريخ الانساني مطبوعا بجدلية الصراع بين من يملك ومن لا يملك وتعددت الحلول بين خضوع القانطين وغضب الثائرين.
ولعلنا ونحن نبدأ الخطى الاولى على طريق القرن الحادي والعشرين ندرك ان الفقراء ما زالوا يتلهون بالفتات وان هذا العالم ما زال عالم الاغنياء اصحاب النوادي ورواد المؤتمرات الذين يجتمعون او يقررون. من جانب اخر فان الادراك الدولي للفقر وكما عبرت عنه ادبيات الامم المتحدة بدا اشبه بقائل لحق يريد به باطلا، فقد انتقل ذلك الادراك من الدائرة الاقتصادية الى دائرة حقوق الانسان التي يمثل الفقر انتهاكا له وقد بنيت الصكوك الدولية على اساس مبادئ الكرامة وعدم التمييز على اسس عرقية او دينية او اجتماعية او اقتصادية،
غير ان هذا كله كاد ان يفقد اهميته حين تحول الى سلاح سياسي والى آلية من آليات النظام الدولي الاحادي حين اتخذ من الفقر مبررا لانتهاك سيادة الدول وسلطانها الداخلي باسم حقوق الانسان.ان تعريف الفقر بوصفه انتهاكا لحقوق الانسان وحطا من كرامته ينبغي ان لايصبح بحد ذاته تحديا للجهود الدولية الرامية الى خفض معدلات الفقر. لابد من القول ابتداء ان الوصمة غالبا ما تكون ظاهرة بل ان الموصوم يحتاج في مواقف معينة الى اظهارها، فالفقير لكي يحصل على المساعدة لابد ان يظهر رموز ضعفه ودلالات وصمته لكنه في احيان اخرى قد يعمد الى اخفائها بسبب او اخر ويتصرف على اساس اهمالها او تناسيها،
غير ان الفقير في كل الاحوال يعاني طبقا للمعايير السائدة في عالم اليوم من وصمة مركبة فهي ليست مجرد نقص في الدخل بل هي مستوى صحي مترد ومستوى تعليمي متدن فضلا عن ان الفقر ذاته قد ينسجم مع بعض التوزيعات السكانية الاثنية وغيرها، ولعل هذه الوصمة المركبة تصنع الفقير عادة في دائرة التهم اذ ان مشكلات مثل الجريمة والتسول والتشرد والتفكك الاسري والاغتراب والعنف.
ان جانبا من خصائص الفقراء مثل الامية وعمل الاطفال وممارسة الانشطة الاقتصادية غير النظامية والاقامة الدائمة في مناطق السكن الرخيص وغيرها تمثل نوعا من الآليات الدفاعية، فالهجرة تمثل بحثا عن عمل بل هو ضرورة لادامة الحياة واستمرارها، الا انها قد تؤدي الى تفكك اسري كما ان تدهور الدخول يحول دون ارسال الاطفال الى المدارس وحثهم على العمل حتى في ظل الظروف الصعبة،
فضلا عن ان ضغوط الحاجة تدفع النساء الى سوق العمل باجور متدنية وفي ظل شروط مجحفة ما يزيد من اعبائهن وفي السياق نفسه ومع انخفاض فرص العمل المتاحة في القطاعات النظامية والرسمية تتزايد اعداد المنضمين الى قطاعات العمل غير النظامية مع ما يترتب على ذلك من حرمان في الحقوق المادية والضمانات الاجتماعية فضلا عن الاثار الاخرى، ممثلة في القدرات المتدنية عن الذات والاستغراق في العمل لساعات طويلة واهمال الادوار التقليدية تجاه الاسرة.
ان ضرورات التكيف ومستلزماته لا تعني بالضرورة ان الفقراء راضون عن اوضاعهم ففي قاع المدينة العراقية حيث تلك السلسلة من التكيفات لا تفاجئنا التحولات باتجاه التكيف السلبي بضغوط الفقر”التسول، التشرد، البغاء، السرقة... الخ “ ومن ثم فان علينا ان نأخذ في حسابنا ان هناك دائما بؤرا مرشحة للانفجار الاجتماعي ولا سيما حين تتسع دائرة الفقر للتجاوز تلك الفئات الاشد عرضة للصدمات الى الفئات الاقوى والاشد شكيمة لكنها مع ذلك لا تنجح في تجاوز عتبة الفقر ولاسيما فئات الشباب على الرغم من حصول اعداد كبيرة منهم على شهادات عالية، لقد دعت الامم المتحدة الى اجتثاث او ازالة الفقر وهو شعار لافت في ادبيات مؤسسات الاقراض والنوادي والمؤتمرات الدولية ويعكس طموحها (يوتوبيا) تفتقر الى الواقعية اذ ان ما تحقق منذ ان اعلنت لجنة برند تلاند.
لقد طرح البنك الدولي في اطار وصفاته الاقتصادية فكرة مفادها ان علينا ان نقبل بمزيد من الفقر مرحليا لكي نجتث الفقر في النهاية ويحذر البنك من ان قصور رأس المال البشري”بسبب المرض وتدني مستويات التعليم ونقص الخبرات .. الخ “ يؤدي الى ابقاء الناس في حالة فقر مطلق .
وقد انشأ البنك صندوقا اجتماعيا للطوارئ استجابة للرغبات العالمية المتزايدة في استئصال الفقر ومساعدة الفقراء وكان اخر قرار مهم للبنك الدولي هو اسقاط ما يقرب من 30 مليار دولار عن نحو 20 دولة من الدول المدينة. ان البنك يبرر الالم المرحلي حتى تفتح جنة الرفاهية ابوابها بعد تحقيق الهيكلية الكلية الشاملة للاقتصاد وخصخصة القطاع العام.
الفقر ظاهرة اجتماعية اقتصادية سياسية ذات ابعاد نفسية وانسانية ينمو في سياق تاريخي- مجتمعي - جغرافي ضمن زمن محلي وكوني في الوقت نفسه وهو كغيره من المفاهيم الاساسية والظواهر الكبرى عصي على التعريف.في هذه الاستراتيجية استند تعريف الفقر الى مفهوم القدرة الانسانية من خلال النظر الى”شخص ما “ اي ان التعريف لم يستند الى مفهوم الحاجة بصورة شاملة بل استند الى عدم حصول الفرد على”حد ادنى من الرفاه الانساني “ ومن ثم فان البحث في معاني الفقر انطلق من”مفهوم شامل للرفاه “ على ان تعريف الفقر المشار اليه لم يتحرر كليا من مفهوم الحاجة،
فمما قلناه ندرك ان الفقر اساس الواقع العراقي وليس الطائفية والاستبداد والصراع الاقليمي بل الفقر هو اساس العنف وتكوين الجماعات المدافعة عن انفسها وليس عقيدتها فالقضاء على الفقر هو قضاء على العنف وبقاؤه مؤشر على واقع سياسي عراقي خطير

 

                                      الفقر منهج اقتصادي عالمي

 

يجب ان نعرف ما يدور ونوضح ماالمقصود ولا نلتهي بالديمقراطية لتمرير سياسة عالمية على دولة نفطية والسياسيون لايعرفون ام يعرفون فقد ذهبوا لعد الاصوات لالمعرفة مايدور وكالمثل القائل (ان كنت تدري فتلك مصيبة وان كنت لاتدري فالمصيبة اعظم)

لم تتركز الازمة العالمية في اقليم واحد من العالم ,ذلك ان اقتصادات الدول مرتبطة فيما بينها , والمصارف والصفقات التجارية (التي يسيطر عليها نحو 750مؤسسةعالمية) تجاوزت الحدود الاقتصادية , كما ان التجارة الدولية تعيش الان في حالة تكامل .ان حركة الاقتصاد العالمي التي تظم عبرمايسمى "بعملية استيراد الدين على مستوى العالم " تخنق مؤسسات الدولة الوطنية وتسهم في القضاء على فرص العمل وتقليص النشاط الاقتصادي . وهذا ادى الى زعزعة بلدان باكملها نتيجة لانهيار عملاتها الوطنية , الامر الذي كان يفضى باستمرار الى نشوء الصراعات الاجتماعية والنزاعات العرقية والحروب الاهلية فيجب الحذر من الدائنين الدولين.

فحتى هذه اللحظة لايمكن عد مايجري على انه نظام لسوق"حرة".لانه , وعلى الرغم من كونه مدعوما من الفكر الليبرالي الجديد,الا ان مايسمى بـ((برنامج التكييف الهيكلي ))الذي ترعاه مؤسسات بريتون وودز,يكون مشروعا جديدا من مشاريع التدخل . نتيجة لهذه السياسة الاقتصادية على المستوى الكلي التي تسببت في تدمير مؤسسات الدولة وتحطيم الحدود الاقتصادية وافقار الملايين من البشر.

لقد قامت مؤسسات بريتون وودز بدور رئيس في هذه العملية الخاصة باعادة هيكلة الاقتصاد . وان صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية يكونان قوة بيروقراطية دولية (تستمد سلطتها من حكومات الدول بشكل رسمي ),  وماهي الا مؤسسات ادارية ,او اجهزة منظمة تعمل ضمن اطار النظام الراسمالي , وتلبي المصالح الاقتصادية والمالية المهيمنة . غير ان المهم في هذا الموضوع هو( قدرة هذه المؤسسات البيروقراطية الدولية على الاشراف على الاقتصادات الوطنية من خلال التلاعب المتعمد في قوى السوق).

وان المؤسسات الدولية والشركات التجارية لا يمكنها ان " توسع" اسواقها الا من خلال اعاقتها وتدميرها القاعدة الانتاجية المحلية وذلك عن طريق خلخلة الانتاج المحلي والقضاء علية وبذلك يدرج الفقر ضمن الفقرات التي تدخل في جانب العرض. وان الاسواق الطارئة تفتح لكي تحل انيا محل النظام الانتاجي الموجود سابقا . في حين تدفع الشركات الصغيرة والمتواسطة نحو الافلاس , او تجبر على الانتاج لصالح موزع عالمي . وتباع الشركات الحكومية الى القطاع الخاص او يجري غلقها , ويبدأ الفقر.

ان توسيع الاسواق بشكل يجعلها عالمية يتطلب تجزئة وتدمير الاقتصاد المحلي وتحرير حركة الاموال والبضائع وازالة القيود عن القروض واخضاع الارض وممتلكات الدولة الى سيطرة راس المال الدولي ليتكفل بادارتها .

وتعد عملية"تحويل الدين" احدى السمات الرئيسية للازمة ". مثلا القروض غير المؤداة الخاصة بالمصارف التجارية الكبيرة فقد تحولت بدورها الى خسائر تسبق عملية دفع الضرائب. وقد استند القسم الاكبر من صفات الانقاذ للمؤسسات والمصارف التجارية التي تمر بصعوبات , الى مبدا تحويل ثقل الديون نفسه من المؤسسات والمصارف الى الخزينة الوطنية .ان المطلوب هو ايجاد اليات مالية محددة تضمن الغاء الديون الخارجية. وان صلب هذه الازمة يكمن في الديون العامة الكبيرة (الضغط الذي يمارسه الدائنون على الدولة الوطنية( مما يتطلب تنظيم وتدخل اجتماعيين فاعلين في الاسواق المالية .

وينبغي للمجتمع العالمي الاعتراف بفشل النظام الليبرالي الجديد المهيمن حاليا.يجب ايجاد برنامج سياسي اقتصادي كلي  يهدف الى تقليص الفقر و توفير فرص العمل .

 ولاتوجد (حلول فنية ) لهذه الازمة .اذ من غير المحتمل ان تجري اصلاحات مهمة ما لم يكن هناك نضال اجتماعي ملح.يضم العمال,المزارعين,المنتجين المستقلين , المهنيين الاحرار , الفنانين ,الموظفين الحكوميين,رجال الدين , الطلبة والمثقفين. وان النضال ضد الفقر يعد شيئا اساسيا بحيث يتطلب درجة معينة من التكاتف التي لم يسبق لها مثيل في العراق .

ان النظام الاقتصادي العالمي يتغذى على التناقض الاجتماعي الحاصل داخل الدول وفي ما بينها . وعليه فان وحدة الهدف والتنسيق في ما بين مختلف المجاميع والحركات الاجتماعية يعدان امرا حاسما في هذا الصدد . وهنا  لابد من مشاركة جميع الحركات الاجتماعية من مختلف مناطق العراق ,في الهدف المشترك الذي يدعو الى القضاء على الفقر لتحقيق السلام في البلاد .      

نشرت في جريدة الصباح

 الصفحة التاليه