حوار الحضارات والاديان

 

حوار الحضارات والاديان

لا شك في أن موضوع حوار الحضارات قديم قدم الحضارة نفسها، والحضارة قديمة قدم الإنسان فإذا اختل التوازن بين أهل الحضارة  يقود إلى الصراع بين التقدم والتخلف في بنيانها الداخلي، فتصبح كالشجرة جزء منها يابس وآخر حي، وهذا مرض من أمراض الحضارة يجعلها قابلة للسقوط أو الانهيار على يد الغزاة والطامعين ممن تقدموا على أهلها مادياً، ولو كانوا دونهم في حقل المعنويات، فإن كان الاختلال في التوازن شاملاً كان الانهيار فاضحاً، وتظهر المقاومة للإقناع بانعدام السقوط التام.‏
الحضارة في حياة الإنسان تشمل علاقته بالكون وعلاقته بأخيه الإنسان، وقوى الطبيعة،ووسائل المعرفة، وتقنيات العلم، ومنجزاته. ولعل العلم أهم مقومات الحضارة بعد القوم أو الإنسان لذلك جعلت الرسالة العربية العلم شرطاً للانتماء الحضاري إليها؛ لقول الرسول ( ص) (ليس مني إلا عالم أو متعلم) ولقول الامام علي ـ عليه السلام  ـ لكميل بن زياد النخعي ـ رضي الله عنه ـ (الناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق)

في ضوء هذه الحقائق لا بد من تناول أهل التاريخ بخطورة التحول الحضاري من الوحدة إلى الفرقة، ومن الدين الجامع إلى المذهب، ومن الدولة الواحدة إلى دول الأسر المتصارعة.

 وهاهنا شيء آخر، وهو أصل كبير لا يجوز أن يخلو كلامنا من الدلالة عليه، والإيماء إليه. وهو أن كل أمة، لها زمان على ضدها. وهذا بين مكشوف إذا أرسلت وهمك في دولة يونان والإسكندر... ولهذا قال أبو مسلم صاحب الدولة حين قيل له: أي الناس وجدتهم أشجع، فقال: كل أناس في إقبال دولتهم شجعان.‏
وقد صدق؛ وعلى هذا كل أمة في مبدأ سعادتها أفضل وأنجد وأشجع، وأمجد وأسخى وأجود وأخطب، وأنطق وأرأى وأصدق؛ وهذا الاعتبار ينساق من شيء عام لجميع الأمم، إلى شيء شامل لأمة أمة، إلى شيء حاو لطائفة طائفة، إلى شيء غالب على قبيلة قبيلة، إلى شيء معتاد في بيت بيت، إلى شيء خاص بشخص شخص، وإنسان إنسان؛ وهذا التحول من أمة إلى أمة، يشير إلى فيض جود الله ـ تعالى ـ على جميع بريته وخليقته بحسب استجابتهم لقبوله، واستعدادهم على تطاول الدهر في نيل ذلك من فضله".‏
فالحضارة تتحول من أمة إلى أمة ـ وأراد بالأمة القوم كالفرس، والعرب والروم ـ وذلك بحسب استعداد الأمة، وقدرتها على الاستجابة لنداء الحضارة، وهي عرضة لكل أمة، فإذا جاء زمانها، وتمت الاستجابة قامت الغلبة على ضعفها القديم، وعلى ضدها من الأمم، وفقاً لقوله ـ تعالى: (وتلك الأيام نداولها بين الناس) فتنهار الحضارة عند أمة، وتنهض بها أمة أخرى، فإذا بدأ انحسارها يكون أطواراً، فينحسر الوعي الحضاري من الأمة إلى الطائفة ـ وأراد بالطائفة المجموعة من الناس الذين يجمعهم اجتهاد فكري واحد ـ وينكمش بعد ذلك من الطائفة إلى القبيلة، ومن القبيلة إلى البيت الواحد، ومن البيت إلى الشخص الواحد، ثم يكون التحول إلى أمة أخرى.‏
أن الأمم في أوان غلبتها الحضارية تكون متفوقة في القوة المادية بأنحائها كلها، وبالقوى المعنوية بالغة بها تمام العطاء في جميع جهات البناء، فإذا غادرت زمن نهضتها تلاشت هذه المعالم شيئاً فشيئاً على نحو ما سلف.‏
ومما يلفت النظر أن حركة الاستجابة مرتبطة باستعداد الأمة، وبتوفيق الله لها ببذل المجهود لمعالجة العطاء الحضاري الرباني. وفي قوله استجابة الأمة إشارة ضمنية إلى الرسل والأنبياء، فإذا انقضى زمن النبوة جاء زمن العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وإذا لم يكونوا ظاهرين جاء زمن المصلحين (طوائف، وقبائل، وأسر، وأفراد) حتى لا يبقى إلا القليل من الأفراد، فتنطبق نقطة النهاية على نقطة البداية، فيتوهم المصلحون أن رتبتهم كرتبة الأنبياء، وأن معاودة النهوض ممكنة لمن أخذ بقيم النهوض الأولى في إطار الحنين إلى الماضي، وذلك بمحاكاة حركة النهوض بالانتقال (من الفرد إلى الأسرة، ومن الأسرة إلى القبيلة، ومن القبيلة إلى الطائفة أو الجماعة أو الحزب، ومن الطائفة إلى الدولة، ومن الدولة إلى الأمة الجامعة للقوميات) أو بقيم نهوض أخرى استجابت لها أمم الغالبين في عصرهم، مع جهل الفريقين بحقيقة توفيق الله
ففي ضوء هذا الفهم للحضارة تفضيل العرب على جميع الأمم في حال جاهليتهم، وفي حال استجابتهم للجود الإلهي بحضارة الإسلام (نهوضهم

 يقع في إطار الإقرار بالانتقال (السقوط) من وعي الأمة إلى وعي الطائفة المقنعة بقناع الدين تارة، وبقناع القومية تارة أخرى، وبعباءة القبيلة أو العشيرة تارة ثالثة؛ مما يشير إلى رتبة أدنى في الانهيار الحضاري إلى أن يصل السقوط مداه فلا يبقى في إطار الوعي الحضاري سوى عدد من الأفراد الذين تعجز صيحاتهم عن وقف السقوط عند حد من الحدود الدنيا

 
أن التفاضل إنما يقوم في الأمور الاختيارية، وليس فيما لا خيار للإنسان فيه، ، وجعل الفضل يعود إلى حسن التدبير في سبيل الحفاظ على تيار الحياة، بالتماس قوانين البقاء.‏
.‏
*
عندما تعجز الحضارة القديمة عن محاورة الحضارة الناهضة تلجأ إلى القوة لدفع سلطانها عن نفوس أبنائها، خوفاً من الاستيلاء السلمي عليها، مما يتبعه زوال سلطانها، وحلول حضارة أخرى، تعطي الناس بعداً آخر مختلفاً عن سابقه، حتى يقال: إن الحضارة الجديدة تفرق بين الولد وأبيه، والأخ وأخيه، والرجل وصاحبته وبنيه، وفصيلته التي تؤويه، فلكل منهم شأن حضاري يغنيه.‏
مما تقدم ينهض الحوار المسلح إلى خصومة بين دولة الهزيمة المسلحة وعلماء الأمة، من غير فرق بين علماء السلاطين وعلماء الشعب، داعين الحاكم إلى مواجهة التفوق العسكري الفرنجي على القوة العربية الإسلامية، ظناً منهم أن الحكام يصنعون الانتصارات والمعجزات، متجاهلين حقيقة التخلف الحضاري في الثقافة والعمران والمعلومات، وطرائق الخصم في الإعداد، والخطوات اللازمة في تفريق الأمة قبل الوصول إلى غاياته البعيدة.‏
أن روح الخير في الحضارات كلها واحدة تنتقل من أمة إلى أمة، ، وأنه لا عيب في الأخذ عن الحضارات السابقة إن كان ما يؤخذ حقاً، ذلك أن الحق لا ينتسب إلى شيء، وكل شيء ينتسب إليه، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها تلقفها، وكان أولى الناس بها.‏

الصفحة الرئيسيه